كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 1)
"""""" صفحة رقم 138 """"""
ومن رسالة للقاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني ، عفا الله عنه . حاء منها : فلما قضى الليل نحبه ، وأرسل الصباح على دهمه شهبه ؛ شمر الليل إزاره ، ووضع النجم أوزاره ؛ ونزح بالطيف طادرا ، وظل وراء الصبح ناشدا ؛ وفجر الفجر نهر النهار ، واسترد البنفسج وأهدى البهار ؛ فمواكب الكواكب منهزمة ، وغرة الفجر كغرة مولاي مبتسمة .
ومما يدخل في هذا الباب ، ما حكي عن أن بعض الأعراب تزوج بأربع نسوة ، فأراد أن يختبر عقولهن .
فقال إحداهن : إذا دنا الصبح فأيقظيني . فلما دنا الصبح ، قالت له : قم ، فقد دنا الصبح ؟ فقال : وما يدريك ؟ قالت : غارت صغار النجوم وبقي أحسنها وأضوؤها وأكبرها ، وبرد الحلي على جسدي ، واستلذذت باستنشاق النسيم . فقال لها : إن في ذلك دليلاً .
ثم بات عند الثانية ، فقال لها مثل مقالته للأولى . فلما دنا الصبح ، أيقظته . فقال لها : وما يدريك ؟ قالت : ضحكت السماء من جوانبها ، ولم تبق نابتة إلا فاحت روائحها ، وعيني تطالبني بإغفاءة الصباح . فقال لها : إن في ذلك دليلاً .
ثم بات عند الثالثة ، فقال لها مثل ذلك . فلما دنا الصبح ، أيقظته . فقال لها : وما يدريك ؟ فقالت : لم يبق طائر إلا غرد ، ولا ملبوس إلا برد ، وقد صار للطرف في الليل مجال ، وليس ذلك إلا من دنو الصباح . فقال لها : إن في ذلك لدليلاً .
ثم بات عند الرابعة ، فقال لها مثل ذلك . فلما دنا الصبح ، قالت له : قم ، فقد دنا الصبح فقال لها : وما يدريك ؟ قالت : أبت نفسي النوم ، وطلبني فمي بالسواك واحتجت إلى الوضوء . فقال لها : أنت طالق ، فإنك أقبحهن وصفا .