كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 1)

"""""" صفحة رقم 217 """"""
فأما البحر المحيط وجزائره ، ويسمى باليونانية أوقيانوس ، ويسمى بحر الظلمات ، سمي بذلك لأن ما يتصاعد من البخار عنه لا تحلله الشمس لأنها لا تطلع عليه . فيغلظ ويتكاثف فلا يدرك البصر هيئته . ولعظم أمواجه ، وتكاثف ظلمته ، وغلظ مائه ، وكثرة أهوائه ، لم يعلم العالم من حاله إلا بعض سواحله وجزائره القريبة من المعمور . والذي علم به من الجزائر ستة من جهة المغرب ، تسمى جزائر السعادات ، والجزائر الخالدات .
قال أبو عبيد البكري في كتابه المترجم بالمسالك والممالك : وبإزاء طنجة الجزائر المسماة باليونانية ، فرطناتس أي السعيدة . وسميت بذلك لأن في شعرائها وغياضها كلها أصناف الفواكه الطيبة من غير غراسه ولا فلاحة ، وأن أرضها تحمل الزرع مكان العشب ، وأصناف الرياض بدل الشوك . وهي متفرقة متقاربة .
ويقال إن بعض المراكب عصفت عليها الريح فألقتها إلى جزيرة من هذه الجزائر ، فنزل من فيها من الركاب إليها ، فوجدوا فيها من أنواع أشجار الفواكه وأشجار الأفاويه وأنواع اليواقيت كل مستحسن . فحملوا منه ما أطاقوا ودخلوا به بلاد الأندلس . فسألهم ملكها من أين لهم هذا . فأخبروه بأمرهم . فجهز مراكب وسيرها ، فلم يقفوا على جزيرة منها . وعدمت المراكب لعظم البحر وشدة عصف الريح فلم يرجع منها شيء .
ويقال إن هذه الجزائر مسكونة بقوم هم الوحوش أشبه منهم بالناس . وبينها وبين ساحل البحر عشرة أجزاء .
ويقال إن في جهة المشرق مما يلي بلاد الصين ستة جزائر أخرى ، تسمى جزائر السيلي . يقال إن ساكنيها قوم من العلويين ، وقعوا إليها لما هربوا من بني أمية .
ويقال أن جزائر السيلي لم يدخلها أحد من الغرباء وطاوعته نفسه على الخروج منها لصحة هوائها ورقة مائها ، وإن كان منها في عيش قشيف .
وفي هذا البحر من الجزائر العامرة جزيرة برطانية ، وهي تحاذي جزيرة الأندلس ، وأهلها صهب الشعور ، زرق العيون .

الصفحة 217