كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 1)
"""""" صفحة رقم 219 """"""
على ماء البحر الملح ، لأنه مغيض له . فلا سبيل لأحدهما على الآخر ، بل جعل الله بينهما حاجزا وهو البرزخ . فإما البحر الرومي وجزائره ، فإن المؤرخين قالوا إن الإسكندر حفره وأجراه من البحر المحيط . يقولون إن جزيرة الأندلس وبلاد البربر أرضا واحدة يسكنها الإشبان والبربر . وكان بعضهم يغير على بعض ، والحرب بينهم سجال . فلما ملك الإسكندر ، رغب إليه فيما يحول بينهم وبين البربر . فرأى أن يجعل بينهما خليجا من البحر يمكن به احتراس كل طائفة من الأخرى . فحفر زقاقا طوله ثمانية عشر ميلا ، وعرضه اثنا عشر ميلا . وبنى بجانبيه سكرين ، وعقد بينهما قنطرة يجاز عليها ، وجعل عليها حراسا يمنعون الجوار عليها من جهة البربر إلا بإذن من جعله ناثبا عنه في بلاد الإشبان . وكان قاموس البحر أعلى من أرض الزقاق ، فطما وغطى السكرين والقنطرة ، وساق بين يديه بلادا وطغا على أخرى . حتى إن المسافرين فيه يخبرون أن المراكب في بعض الأوقات يتوقف سيرها فيه مع وجود الريح . فيسبرون أمرها ؛ فيجدون المانع لها سلوكها بين شرفات السور أو بين حائطين .
فعظم طولا وعرضا ، وصار بحرا .
قال صاحب كتاب مباهج الفكر ومناهج العبر : وقد زاد عرضه ستة أميال عما كان عليه في زمن الإسكندر . فصار ثمانية عشر ميلا .
قال : وزعم السالكون فيه أن البحر ربما جزر في بعض الأوقات ، فترى القنطرة . قالوا : وهذا الزقاق صعب شديد متلاطم الأمواج مهول ، شبيه بما جاوره من البحر المحيط .
وأهل الأندلس يقولون إن بين هذا البحر وبين البحر المحيط بحرا يسمونه بحر الأيلاية بتفخيم اللم . وهو بحر عظيم الموج صعب السلوك .