كتاب الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة (اسم الجزء: 2)

عبادة الله وتوحيده وطاعته، ولهذا يسمى الفيء لرجوعه إلى من كان أحق به، ولأجله خُلِقَ.
قال تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالاً طَيِّبًا} [الأنفال: ٦٩]، وهذا مما خص الله به محمدًا - صلى الله عليه وسلم - وأمته، فإنه أحل لهم الغنائم.
قوله: «وَجُعِلَ الذُّلُّ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي» هذا يدل على أن العز والرفعة في الدنيا والآخرة بمتابعة أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لامتثال متابعة أمر الله تعالى، قال تعالى: {وَللهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: ٨]، وقال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَللهِ العِزَّةُ جَمِيعًا} [فاطر: ١٠]، فالذلة والصغار تحصل بمخالفة أمر الله، والمخالفون لأمر الله ورسوله ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
الأول: مخالفة من لا يعتقد طاعة أمره، كمخالفة الكفار وأهل الكتاب الذين لا يرون طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهم تحت الذلة والصغار، ولهذا أمر الله بقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وضرب على اليهود الذلة والمسكنة لأن كفرهم بالرسول - صلى الله عليه وسلم - كفر عناد.
الثاني: من اعتقد طاعته ثم يخالف أمره بالمعاصي التي يعتقد أنها معصية، فله نصيب من الذل والصغار.
قال الحسن البصري: «إِنَّهُم وَإِنْ طَقْطَقَتْ بِهِمُ الْبِغَالُ، وَهَمْلَجَتْ بِهِمُ الْبَرَاذِينُ، إِنَّ ذُلَّ الْمَعْصِيَةِ لَفِي قُلُوبِهِمْ، أَبَى اللهُ إِلَاّ أَنْ يُذِلَّ مَنْ عَصَاهُ»، وقال الإِمام أحمد بن حنبل: اللهم أعزنا بالطاعة ولا تذلنا بالمعصية، قال الشاعر أبو العتاهية:
أَلَا إِنَّما التَّقْوى هِيَ العِزُّ والْكَرَمُ ... وِحُبُكَ لِلدُّنْيَا هَو الذلُ والسَّقَمُ
وَليْسَ عَلَى عبدٍ تَقِيٍ نَقِيصَةً ... إِذا حَقَقَ التَّقْوَى وَإِنْ حَاكَ أَوْ حَجَمَ

الصفحة 209

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text