كتاب الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة (اسم الجزء: 3)

وقوله: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} دليل على إحاطة علمه بجميع الكائنات، ماضيها وحاضرها ومستقبلها، كقوله تعالى إخبارًا عن الملائكة: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: ٦٤].
وقوله: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَاّ بِمَا شَاءَ} قال ابن كثير: أي لا يطلع أحد من علم الله على شيء إلا بما أعلمه الله عز وجل، وأطلعه عليه، ويحتمل أن يكون المراد: لا يطلعون على شيء من علم ذاته وصفاته إلا بما أطلعهم الله عليه، كقوله: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: ١١٠] (¬١).
قوله: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ}؛ روى الحاكم في المستدرك من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «الكُرْسِيُّ مَوْضِعُ القَدَمَيْنِ، وَالعَرْشُ لَا يَقدِرُ أَحَدٌ قَدْرَهُ» (¬٢). وهذا يدل على كمال عظمة الله وسعة سلطانه، فإذا كان هذا حال الكرسي، أنه يسع السماوات والأرض على عظمتهما وعظمة من فيهما، فكيف بالعرش الذي هو أعظم من الكرسي؟ !
قال الطحاوي: والعرش والكرسي حق، قال ابن أبي العز الحنفي: العرش سرير ذو قوائم تحمله الملائكة وهو كالقبة على العالم (¬٣)، وهو سقف المخلوقات، قال عبدالله بن رواحة:
شَهِدتُ بأَنَّ وَعْدَ اللهِ حقٌ ... وَأَنَّ النَّارَ مَثْوَى الكَافِرينَا
---------------
(¬١) تفسير ابن كثير (١/ ٣٠٩).
(¬٢) (٢/ ٦٧٨) برقم (٣١٧٠)، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وصححه الشيخ مقبل الوادعي في تخريجه لأحاديث تفسير ابن كثير (١/ ٥٧١)، وأخرجه الذهبي في كتابه العلو (ص: ٧٦)، وصححه الألباني في مختصر العلو (ص: ٤٥).
(¬٣) شرح العقيدة الطحاوية (ص: ٣١١).

الصفحة 613