كتاب الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة (اسم الجزء: 3)

بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَاّ القَوْمُ الفَاسِقُونَ} [الأحقاف: ٣٥].
وقال تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ} [الروم: ٥٥].
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - من أكثر الناس قناعة وزهدًا في الدنيا، فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لعروة ابن أختها: «إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَارٌ. فَقُلْتُ: مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ قَالَتِ: الأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالْمَاءُ، إِلَاّ أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - جِيرَانٌ مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ لَهُمْ مَنَائِحُ، وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ أَبْيَاتِهِمْ، فَيَسْقِينَاهُ» (¬١). روى البخاري في صحيحه من حديث عمرو بن الحارث قال: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ عِنْدَ مَوْتِهِ دِرْهَماً وَلَا دِينَاراً وَلَا عَبْداً وَلَا أَمَةً وَلَا شَيْئاً إِلَاّ بَغْلَتَهَ البَيْضَاءَ وَسِلَاحَهُ وَأَرْضاً جَعَلَهَا صَدَقَةً (¬٢).
بل إنه عليه الصلاة والسلام توفي ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعاً من شعير (¬٣).
وأوصى النبي - صلى الله عليه وسلم - جماعة من الأنصار أن يكون بلاغ أحدهم من الدنيا كزاد الراكب، ووصى ابن عمر أن يكون في الدنيا كأنه غريب أو عابر سبيل، وقال لأبي هريرة: «ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبُّكَ اللهُ، وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبُّوكَ» (¬٤).
قال ابن القيم رحمه الله: والزهد زهد في الحرام، وهو فرض عين،
---------------
(¬١) صحيح البخاري برقم (٦٤٥٩)، وصحيح مسلم برقم (٢٩٧٢).
(¬٢) برقم (٢٧٣٩).
(¬٣) صحيح البخاري برقم (٤٤٦٧).
(¬٤) ابن ماجه في سننه برقم (٤١٠٢) وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (٩٤٤).

الصفحة 639