كتاب أباطيل وأسمار (اسم الجزء: 1)

سارت. وأنا لا أدري على وجه التحقيق كيف وقع هذا ولا من الذي هيأ لمثله هذه افرصة ولكني كنت أعلم أنه هو أو غيره كان لابد أن يتدسس إلى مثل هذا المكان في غمرة الحوادث اعظيمة التي مرت بنا في السنوات الأخيرة وما ذلك إلا لأني كنت أتابع زحف هذه القوى الشريرة منذ قديم بلا غفلة عنه وكيف أغفل عنه وقد كدت يوما ما أكاد أكون أحد صرعي هذا الزحف ورأيت إخوانا لي قد صرعوا وأنا أراهم بعيني منهم من نجاه الله كما نجاني ومنهم من هلك فيمن هلك؟
كيف أغفل عن هذا الزحف وأنا لم أزل أشهد منذ عشرات السنين طلائع التخطيط المدبر تنقض على أمتي وبلادي من كل ناحية ويتم لها كل ما تريد أو بعض ما تريد يوما يعد يوم وعاما بعد عام ومن أجل ذلك لم أحمل القلم منذ حملته إلا وانا مؤمن أوثق إيمانا بأني أحمل أمانة إما أن أؤديها على وجهها وإما أن أحطم هذا القلم تحت قدمي بلا جزع عليه ولا على نفسي وأبيت منذ عقلت أمري أن أجعله وسيلة إلى طلب الصيت في التاس أو ابتغاء الشهرة عندهم عرف ذلك من عرفه من خلطائي في هذه العزلة الطويلة الأمد التي ضربتها على نفسي وجهل ذلك من جهله وعلى شدة ما لقيت طول هذه السنين من ملامة تلحاني على هذه العزلة التي رضيتها لنفسي لم أرض أن أخوض فيما يخوض فيه الناس إلا كمثل تحلة القسم أي بمقدار مفرط القلة غير مبالغ في ذلك ولا موغل ولذلك صار رأي مقصورا على قلة من إخواني كنت أبثهم ما أجد وما أعلم ثم أحبس لساني عن كثير ممن ألقى من الناس حتى صرت كالعيي الذي لا يحسن الإبانة عن ذات نفسه لأن طول الكتمان وترك تحريك اللسان بالرأي مضر بالمرء كضرر الثرثرة بلا عقل.
فلما جاء ما لا يسكت عليه لشدة خطره ظللت أوامر نفسي طويلا أي السبيلين أسلك فلما تبين لي الرشد حملت القلم وأنا على بينة من طريقي طريق لن يخدعني عنه أحد بثناء أو دم فكلاهما لا يغرني ولا يرهبني وقلت لنفسي هذا إنسان تعرفينه على وجه ويعرفه الناس على وجه آخر تعرفينه بطول الفك لأمثاله

الصفحة 144