كتاب أباطيل وأسمار (اسم الجزء: 1)

ولكن هذا الضرب من الشعر قد تولى منذ قديمبعض صبيان المبشرين الترويج له والإكثار من التلويح بأن الجديد الذي لا جديد غيره وأكثروا في ذلك الصحب واللجاجة في الصحف والمجلات وقارن ذلك تفشي شعر إليوت ومذهبه في تحديد الثقافة وأن ثقافة الضشعب ودين الشعب مظهران مختلفان لشيء واحد لأن الثقافة في جوهرها تجسيد لدين الشعب وأن السير إلى الإيمان الديني عن طريق الاجتذاب الثقافي ظاهرة طبيعية مقبولة هكذا يرى "إليوت".
وبمكر وخبث شديد مزج بين إليوت ومذاهبه وبين هذا الشعر الذي يحمل هذه الألفاظ الأربعة في فئة غريبة الأطوار من دارويش جبل لبنان وجلجل الدعاة بالمقالات الطنانة واتخذت في كل بلد عربي رطائز لهذه الأبواق تذيع ما يلقي إليها أو تلقنه وظهر في مصر في أوائل هذا الوقت صبي الخلوة المشهودة تحت أشجار الدردار وأطافت به طائفة على شاكلته وكان يومئذ في الجامعة مدرسا للغة الإنجليزية وكتب شعر "بلوتولند" الذي دللت عليه = وكان الصبي القديم سلامة موسى قد هرم وصار كهفا لأغلمة المبشرين في مصر = وبدأ لويس عوض نفث السموم فصادف ذلك شبابا قل محصولهم من الجد في القراءة وسمئوا الشيء الذي يلقي إليه فلا يفهمونه ولا يحترمونه لأن نظام دنلوب كان قد انتعي إلى غايته في قتل اللغة العربية في عقر دارها في مصر ولا يزال يفعل إلا أن تتداركها العزائم المخلصة.
فمن هنا بدأت هذه الألفاظ الأربعة تاخذ طريقها إلى ألسنة هذه الطائفة الشعراء المحدثين مقرونة بالحملة المبددة لموازين الشعر القديم فكان المسلمون من هؤلاء الشعراء إنما يستعملون هذه الألفاظ لظنهم أنها جزء متمم لجدة الشعر وافحساس بواقع الحياة التي يعيشونها بما فيها من آلام الحيرة والضياع والاستبداج والمخاوف فكان لهذه الألفاظ الجديدة سحر في نفوسهم فاتخذوها تقليدا بلا فهم لما تنطوي عليه من الدلالات وكلما نشأ ناشئ منهم قام له من يثني عليه ويمتده ويذيع شعره حتى يجتذب إلى تقليده آخرين وتفشت الكلمات وطال عليه بعض الأمد. فلما جاء الاعتراض عليها التمسوا تفسيرا لهذه الألفاظ المقلدة

الصفحة 175