كتاب أباطيل وأسمار (اسم الجزء: 1)

- 10 -
لقد أحسن الدكتور محمد مندور من حيث لم يدر ومن حيث لم يرد إلى وإلى الناس حين كتب ما كتب في مجلة روز اليوسف فصرفني عن قضية العامية واستبدالها بالفصحى إلى قضية أخطر منها وأشد تأثيرا في أيمنا هذه لا بل هي أوغل في التدمير الذي يراد بنا وأفتك بالعقول والنفوس وأبشع أثرا في حياة كل فتى وفتاة من أهل الإسلام ومن أبناء العرب وقد عالجتها من الوجه الذي لا يجوز لعاقل يعقل ما يقول أن يعالجها من وجه غيره وهو البيان الصريح عن معاني الألفاظ وما تحمله في طياتها من تاريخ متصل وما تنطوي عليه من عقيدة متكاملة مترابطة تفقد كل معنى إذا أراد مريد أو تخيل متخيل أنه قادر على أن ينفض عن هذه الألفاظ دلالتها في صلب العقيدة المسيحية وهي الألفاظ الأربعة التي تدور في ألسنة بعض الشعراء من أبناء الإسلام اليوم وهي الخطيئة والفداء والصلب والخلاص.
وليس جدي شيئا ولا يغني أن يحتال محتال فيزعم أن هذه الألفاظ رموز لمعات إنسانية مجردة كالتضحية في سبيل القيمة أو المبدأ الذي يؤمن به إنسان ما من الناس لأن مئات من الألفاظ في لغة العرب وفي غير لغة العرب قادرة على أن تكون رموزا لهذا الشيء نفسه بمجرد الدعوى عندئذ فهذه الألفاظ الأربعة إذا خلت من دلالتها في عقيدة أصحابها ومستعمليها ومعتقديها صارت كسائر ألفاظ اللغة لا تحمل شيئا إلا معناهغا اللغوي المجرد فمن أبطل الباطل أن يجعلها امرؤ صالحة لأن تكون رمزا بدلالتها اللغوية المجردة فإن كل لفظ في اللغة صالح عندئذ أن يكون رمزا بلا فرق في ذلك بين الألفاظ اللغوية والنتيجة المنطقية لهذه الدعوى أن كل امرئ مباح له أن يجعل في كل لفظ في اللغة لشيء يتوهمه هو وإن كان غيره من الناس لا يرى له معنى مفهوما عنده إلا

الصفحة 179