كتاب أباطيل وأسمار (اسم الجزء: 1)

المعنى المتدأول المعروف وكذلك يصبح الناس يوما إذا سارت الشعراء والكتاب هذه السيرة وإذا اللغة ضرب من الخبل ككلام الموسوسين والممرورين لا يفهم أحد عن أحد شيئا إلا بمعجم خاص بكل شاعر وكل كاتب وخير للناس يومئذ أن يعيشوا بين أسوار مسورة كالأسوار التي انطلق من ورائها إنسان مثل لويس عوض وفلان وفلان ممن يقرأ لهم المرء فيقع في دوار كدوار البحر الهائج.
ومع ذلك فبين عندي وسيكون بينا إن شاء الله عند كل قارئ أن قضية العامية واستبدالها بالفصحى وقضية استعمال هذه الألفاظ وأشباهها هما في الحقيقة قضية واحدة لا من حيث مآلها وعواقبها بل من حيث مصدرها ومنابعها أيضا ولذلك أظنني لم أفارق الموضوع الذي بدأته إذا كنت قد ألزمت إلزاما أن أجعل إحدى القضيتين تتخلل الأخرى وتعيث في سياقها وكان السياق أن أفرغ من قضية العامية واستبدالها بالفصحى ثم اتباعها بالقضايا النابعة من حيث نبعت هذه القضية وإن شئت أن أقول إن لي أسوة حسنة بأسلافي من أهل هذه العربية يوم كانوا يعدون الاستطراد بابا من أبواب التخفيف والاستجمام حتى لا تستكره النفوس على احتمال باب واحد من العالم فيتخللونه بأشباهه ونقائضه وما يمت إليه بسبب من الاتصال أو المفارقة ليكون ذلك أورح للنفس وأدعى إلى احتمالها مؤونة التعب في التزام باب واحد من الفكر وأنفي الملل الذي يأخذ بأكظامها حتى تضيق بما تقرأ أو تسمع وكان رأس هؤلاء أبو عثمان الجاحظ وأبو العباس المبرد وغيرهما من الكتاب والأدباء والعلماء والشعراء أيضا.
فالآن أعود إلى حيث قطعني الدكتور مندور مشكورا على ما فعل وقبل أن أعوذ إلى وصل ما انقطع أجده حقا على أن أدل القارئ على شيء وقع لي منذ أيام قلائل اتفاقا فإني كتبت في المقالة الثامنة شيئا عن تاريخ المعركة بين العالم الأوروبي المسيحي والعالم الإسلامي العربي ورسمت صورة سريعة لما كان وقلت

الصفحة 180