كتاب أباطيل وأسمار (اسم الجزء: 1)

إنها صورة لا يكاد يخطئها من له أدنى إلمام بتاريخ الغزو الأوروبي المسيحي للعالم الإسلامي (1)، وذلك إذا بينت أن تجارب الحروب الصليبية وحروب آل عثمان من الترك قد دلت العالم الأوروبي المسيحي دلالة قاطعة على أن مواجهة العالم الإسلامي بالانقضاض المسلح لا تجديد إلا انبعاث قوة متماسكة شديدة البأس والخطر خليقة أن تسترد شبابها مهما كان في كيانها من العيوب فكان من الحكمة أن يتجنب العالم الأوروبي المسيحي مواجهة العالم الإسلامي وكان من حسن التدبير واتقاء العواقب أن تدور هذه القوة الأوروبية المسيحية الجديدة من حةول العالم الإسلامي تنتقص من أطرافه البعيدة بمهارة وحذر فدبت أوروبا دبيبا حول هذا العالم وجعلت تطوق شواطئ الإسلام في إفريقية وآسيا بطوق من الثغور تحتلها ثم تنفذ من كل ثغر إلى بدن العالم الإسلامي شيئا فشيئا بحذر وبلا ضجيج يزعج وانتهيت من كلمتي إلى أن أقل هذا الغزو نكاية بالعالم الإسلامي هو الجيوش وأبلغة افتراسا هو التجارة وأفتكه بالإنسان الذي يسكن العالم الإسلامي هو التبشير وذهبت إلى أن التبشير ليس معناه اقتصار فئة من الرهبان والقسوس على الدعوة إلى دينهم من حيث هو عقيدة يسمعها المرء فيرضاها أو ينكرها فهذا باطل بل معناه أنه أفتك أسلحة الغزو الأوروبي المسيحي ويراد به إخضاع العالم الإسلامي لسيطرة العالم الأوروبي المسيحي بوسائل خبيثة من التدسس والتدمير والهدم في كل ناحية من حياتنا الاجتماعية والسياسية والأدبية واخضاع عقل المسلم للعقل الأوروبي وطرائق تفكيره لينشأ في هذا العالم من أبنائه ضرب من المسوخ يكون عبيدا تذلل الطريق لأقدام السادة الطغاة من حيث لا يدري أحدهم أنه عبد مسخر يعمل في سيادة هذه الحضارة الجديدة على حضارته بل يعمل على هدمها واستئصالها من نفسه ومن نفوس أمته.
فكان من الاتفاق أن وقع بين يدي منذ أيام قلائل كتاب مترجم بعنوان العالم والغرب لكبير المؤرخين الإنجليز في العصر الحاضر وهو أرنولد توينبي فإنه نظر إلى هذه المسألة نظرة مجردة وغن كان لا يخلو بلا تثريب عليه، من أثر
__________
(1) انظر ص 149.

الصفحة 181