كتاب أباطيل وأسمار (اسم الجزء: 1)

وتوينبي أحد أذكياء المؤرخين وعلم من أعلامهم وبذكائه وعلمه انتبه إلى ما يغفل عنه من يعدون أنفسهم أو كان الناس يعدونهم ولا يزالون أهل حكمة ورأي من أهل جلدتنا ولكنه حين درس المسألة التركية وحللها كان خاضعا خضوعا تاما لوراثة قومه عداوة الترك لأنهم كانوا كتيبة من كتائب الإسلام في مد ثلاثة عشر قرنا صدمت جدار الحصن المنيع الذي اعتصمت به أوروبا المسيحية منذ عادت أدراجها هزيمة عن آخر معركة صليبية ثم نفذت فيه وتركت كلمة الله تعلو فغوق شواهق جباله ومع كل ذلك فقد كان الرجل صادقا في نظره وإن اساء تصوير المسألة التركية ولذلك لم تحجبه هذه العلة القادحة في بعض نظره من أن يفضي إلى نتيجة صحيحة حين نظر إلى العالمك العربي وأنكر سعي قومه منذ كان لهم علينا سلطان إلى أن تفتيت وحدتنا إلى دويلات لا تقوم واحدة منهن في هذا العالم بنفسها مهما بلغت من القوة ولا سيما في هذا العصر الذي تتنازع السيادة فيه القوى العلمية لا تجدي نفعا يذكر في هذا الصراع الضخم.
ولم ينج توينبي في نظرة إلى المسألة الإسلامية من داء الحضارة الغربية المتوارث وهو التفرقة بين الأجناس وإن اتحدت العقائد فلذلك عد الترك لأنهم ترك جزءا منفصلا عن القومية العربية كما فعل ذلك بقارس وباكستان والهند وسائر بلاد إفريقية وغيرها لأنهم جنس غير عربي الأصل هذا مع تنبهه إلى أن الإسلام يوجب على المسلمين أن يكونوا إخوة لا يفرق بينهم اختلاف في جنس أو لغة أو وطن.
ولكن لو كان توينبي أعاد النظر وهو برئ من داء قومه في التفرقة العنصرية لعلم أن الأمر كان على غير ما يتصور وعلى غير ما يراه اليوم في ظاهر أمر هذا العالم الإسلامي بعد البلاء الذي نزل به من مكايد أهل جلدته وملته فكل أمة دانت بالإسلام من غير أهل جزيرة العرب الذين خرجوا على عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية وسائر خلفاء الإسلام من بعدهم كانت بين أحد أمرين إما أن تدين بالإسلام ثم لا تلبث أن تطرح ماضيها كله من لغة ودين ثم تتخذ العربية لغتها والإسلام دينها وتخالط العرب مخالطة تامة حتى يذهب الجنس كله

الصفحة 186