كتاب أباطيل وأسمار (اسم الجزء: 1)

أو أكثره إلا بقايا قليلة ويدخل في العروبة كما حدث ذلك في العراق والشام ومصر وبلاد المغرب كلها إلى أرض الأندلس = وإما أن تدين بالإسلام وتعد العربية لغتها الأولى وتحتفظ بشيء من لغتها كما كان المر في فارس والسند وبعض قبائل الترك والكراد وغيرهم في كل مكان تعالي فيه الأذان وتلي فيه القرآن ولكن هذه اللغات الممتنعة لم يعصمها امتناعها من ان تفقد شخصيتها التي كانت لها في جاهليتها قبل إسلامها فانقلبت اللغة الفارسية القديمة إلى الفارسية الحديثة ونصف معجمها وأساليبها وأوزانها آت من العربية حتى صارت لسانا آخر غير اللسان الفارسي الجاهلي وكذلك الأمر في لغة الترك والأكراد وسائر اللغات في آسيا وفي إفريقية وتستطيع أن تسمى هذا تعربا لأن هذه اللغات قد صارت ذات نسب قريبة بالعربية من حيث فقدت كل لغة من هذه اللغات أكثر خصائصها الجاهلية وألزمت نفسها الدخول في عربية القرآن وهذا أمر ينبغي التنبه له.
ولم يكن الذي منع هذه اللغات أن تزول وتحل محلها العربية كما تم ذك في بلاد اعرب التي نعرفها اليوم كالعراق ومصر وشمال إفريقية أي المغرب كله والسودان أن أهل هذه اللغات حين أسلموا استمسكوا بجنسياتهم ولم يريدوا عنها حولا كلا ولكنهم فقدوا الأسباب التي أتيحت للبلاد التي صارت عربية خالصة فمن هذه الأسباب قلة هجرة القبائل العربية إلى هذه الديار ونزولها في قراها المنتشرة ومدنها وعواصمها كما نزلت في مصر والعراق والشام وسائر بلاد إفريقية ولا سيما في أول الفتوح وتتابع نزولها بها جيلا بعد جيل ومن الأسباب أيضا أن شبابها لم يكد يافرق لغة قومه إلى عربية القرآن حتى جذبته الحواضر الإسلامية الكبرى كبغداد ودمشق وتالفسطاط وبلاد المغرب إلى الأندلس ففارق أرض قومه في طلب العلم وفي طلب الجاه وفي طلب الثروة والسلطان فلم تتأصل هناك طائفة تكون لها الغابة في تحويل اللسان من فارسي مثلا إلى عربي محض ومع ذلك فإن يكن آلاف من أبناء الفرس قد هاجروا واندمجوا في العرب حين هاجروا فإن سيادة العربية عربية القرآن قد هاجرت بآلاف من اللفاظ فعبرت اللغة الفارسية القديمة حتى أحالتها عن الوجه الذي كانت عليه في جاهليتها.

الصفحة 187