كتاب أباطيل وأسمار (اسم الجزء: 1)

ومع ذلك فهذه البلاد جميعها من حدود الصين غلى آخر المغرب ومن أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب قد أخرجت آلافا مؤلفة في فترة قصيرة جدا من أفذاذ علماء العربية وفقهاء الديانة وبلغاء الكتاب ونوابغ الشعر وأعلام الفاتحين وأخرجت كل متفرد من باب من أبواب النمعرفة الإنسانية وكل مذكور مشهور في ناحية من نواحي الحضارة بلا تمييز مبني على الجنس في شيء من ذلك كله بل جميعهم ينتمي إلى عقيدة واحدة هي الإسلام وإلى لغة واحدة هي لغة الإسلام وهي العربية والجنس العربي نفسه لا يجد ما ينتمي إليه غير هذين هذه العقيدة الواحدة وهي الإسلام وهذه اللغة الواحدة وهي لغتة الإسلام بلا فرق في ذلك.
ومصطفى كمال أتاتورك الذي زعم "توينبي" أنه قدم الشعب التركي خدمة كبرى للعالم الإسلامي بمحاولته حل مسألة الاستغراب باتخاذه الأفكار الغربية دون تحفظ ومن بينها القومية قد أساء إلى الشعب التركي غاية الإساءة لأنه عاقَ سير التاريخ ودمر بنيان الماضي وجعله ركاما على الطريق يسده وأنزل بالعالم الإسلامي نكبة كبرى بفقدانه عضوا من اعضائه الذين حملوا العبء قرونا متطاولة بلا تململ بل بصبر وقوة ودماء تسيل ولو كان مصطفى كمال عاقلا مدركا لما يتبغي أن يفعل لما حأول ما حأول من تدمير اللغة التركية وتدمير العقيدة التي ينتمي إليها الترك وإنشاء شيء يقال له القومية التركية كان سير التاريخ يقتضيه أن يحول الشعب التركي مرة واحدة إلى اتمم العمل الذي تم نصفه وهو جعل اللغة التركية المتعربة لغة عربية خالصة وجزءا لا يتجزأ من القومية العربية التي لا قوام لها إلا بالإسلام والذي ينتمي إليه التركي بنفس القدر الذي به إليه ينتمي العربي.
وأيضا فالذي فعله مصطفى كمال لم تكسب به تركيا شيئا بل فقدت ماضيها وشلت حاضرها وهددت مستقبلها وصارت كأنها تائه متحير في بادية يطوفها سراب من آمال لا يمكن أن تتحقق وتوبيني نفسه يعرف هذا وكلامه

الصفحة 188