كتاب أباطيل وأسمار (اسم الجزء: 1)

دينية أي لغة للعبادات والرسوم كالذي عند طوائف أهل الكتاب من اليهود والنصارى بل هي عندهم جميعهم لغة المسلمين التي لا يستغنى احد من الناس كائنا ما كان عن اتقانها والتوسع في معرفتها والضبط لعلمها ومادتها وفقهها مادام منتسبا إلى شأن من شؤون الحضارة التي يعيشها فهو محتاج إليها إذا كان فيلسوفا منطقيا من الوجه الذي كان الفيه والاصولى محتاجا إليها وسواء بعد ذلك أكتب في الفقه أو الفلسفة باللسان العربي أم بلسانه هو غير العربي. وهذه هي السيرة التي كان عليها علماء الترك والفرس والهند. وسائر الأمم الإسلامية التي لم تتخذ العربية لسانها الذي لم يبق لها لسان غيره.
وأما شُبهَة اللغة الدينية فإن الداعى لذلك إن صح ما أقول هو أن الدعاة والمبشرين والمستعمرين لما دخلوا بلاد الإسلام في افريقية والهند وغيرهما ورأوا الطفل الصغير والجارية والغلام كلهم يحفظ القرآن عن ظهر قلب ويتلوه في صلاته خاشعا باكيا ورأوا أن بعضهم لا يعرف من العربية إلا ما يحفظ من القرآن ولا يحسن يقرأ شيئا بالعربية إلا القرآن ظنوا أن ذلك كذلك لأن اللغة العربية لغة دينية وهذا سخيف جدا عندنا بالطبع.
وذلك لأن كل مسلم عربيا كان أو غير عربي يعلم علما يقينا أن القرآن كلام الله وأن مجرد تلاوته عبادة يثاب المرء عليها وحفظه عبادة أخرى وفهمه عبادة ثالثة والتفقه في معانية عبادة رابعة والنظر في كتابته عبادة خامسة ولكل شيء من هذه العبادات ثواب فضلا عن انه كلام الله الذي يفارق كلام البشر من كل وجه وهو من الله وإليه يتعبد المسلم بأن يستودعه صدره لأنه كلام ربه. وعلى هذا المسلم بعد ذلك أن يتعلم إن استطاع لغة القرآن ليفهمه ويتفقه فيه وذلك خير ما يفعل وإلا اقتصر إذا لم يستطع على معرفة دينه بلسانه هو ودينه هو ما يتضمنه القرآن والحديث مما يشمل كل صغيرة وكبيرة في حياته الخاصة أحيانا وفي حياته العامة أحيانا أخرى على الوجه الذي أسلفنا بيانه. وهذا كاف في الدلالة على أن اللغة الفصحى أو اللغة العربية ليست لغة دينية بالمعنى الذي تعد به اللاتينية مثلا لغة دينية.

الصفحة 192