وينبغى لنا أن ننعم النظر في شأن القرآن ثم في شأن الحديث لأنهما كانا أول فاتحين فتحا كل أرض من بلاد العالم الإسلامي كله ما بين أقاصى الصين إلى أقاصى المغرب وما بين قلب أوربة إلى أواسط أفريقية وجزائر الهند في آسية فصار القرآن دوى بين أرجاء هذا العالم قرونا متطاولة يعرفه من شهد بقاياه في مساجد مصر نفسها منذ ثلاثين أو أربعين سنة والذى لم يخطئه رحالة أوربي كتب رحلته في أرجاء العالم الاسلامي منذ مئة سنة أو ما قبلها فهذا الركاز الباقى بعضه قائما في العالم الإسلامي خليق أن يدفع العرب إلى حمل أمانة القرآن بحقها مرة أخرى وحمل أمانة لغة القرآن بحقها مرة أخرى والإقدام بلا تردد على إنجاز أكبر فتح برد جميع البلاد الإسلامية غير العربية إلى القرآن كلام الله وإتمام ما بدأه الآباء من تعريب نصف اللغة كما في التركية والفارسية والأردية وغيرها برد هذه الألسنة إلى لسان واحد هو اللسان العربى بعد أن ازاله عن مكانه مكر العدو وطغيان الغازي.
وكأنك ترى هذا توسعا في الأمل الممدود مع الخيال وأقول لا بل هو حقيقة كادت تكون واقعة ثم حال بينها الحوائل ولماذا ينكرها المرء إلا من حب العجز واطراح الهمة وأسألك هل كان إنجليزي واحد في القرن السابع عشر أو الثامن عشر يخطر بباله أن لغته سوف تكون لغة عالمية تطبق ما بين مشارق الأرض ومغاربها كلا بلا ريب فما الذي جعل هذا ممكنا للإنجليزى بلا تراث إلا طغيان الغلبة والسيطرة وجعله غير ممكن لى وأنا املك ما هو افعل من الغلبة والسيطرة وهو دين الله الذي يتساوى في حمل كتابه والقيام بلغته العربى وغير العربى.
وليتأمل امرؤ ينكر هذا بعض ما حدث للغته فإن لغة العرب كانت لها السيادة في إفريقية وآسية فزاحمتها لغات الغزاة حتى زحزحتها عن مكانها أو أزالتها من الألسنة ووضعت في ألسنة الإفريقيين والأسيويين إنجليزية أو هولندية أو برتغالية. وقد شهدنا بالأمس القريب اجتماع الإفريقيين وغيرهم في مصر فكان خطيب كل أمة يخطب بالإنجليزية أو الفرنسية، وآباء هذا الخطيب نفسه كانوا إلى