فإذا كان القارئ قد انساه طول الاستطراد في قضايا تخلت قضية العامية وغرادة استبدالها بالفصحى فإنى لم انس ما بدأته وعندي أن هذه القضية لم تكن قط قضية مفردة برأسها بل كانت قضية متشعبة الجذور كل جذر يمدها بضرب من الغذاء ويصبغها بلون من الصبغة ولا ازعم أنى قادر على أن استوعب القول فيها استيعابا مغنيا شافيا كافيا في هذه المقالات فإن ذلك ضد طبيعة المقال لاعتماد المقالة على الفكرة الواحدة المترابطة ولكن حاجة القراء إلى المقالة أشد أحيانًا من حاجتهم إلى الكتاب وهو وحده الخليق باستيعاب القول الشافى.
ومع ذلك فما الذى يضير القارئ أن يسير معى في الدروب المتشابكة فيرضى ان أسلك معه دربا ثم استوقفه ليسلك معى دربا آخر ثم نعود إلى الدرب الأول ثم نعرج معا إلى درب ثالث يفضى بنا مرة أخرى إلى الدرب الثاني أو الدرب الأول لا يضيره شيء فيما أظن وهبها رحلة استكشاف لمتاهة من الأرض المجهولة وهبها رحلة استمتاع بتاريخ متطأول اليس ذلك وحد متاعا فما ظنك إذا كان فوق المتاع ما ظنك إذا كان أمرا لابد منه لمعرفة المكر الخبيث الذى احاط بأمة يراد لها الهلاك المصبوب عليها من حيث تتلفت ما ظنك إذا كان امرا يتعلق بإتلاف ماضيها كله وسحقه وسلخها من هذا الماضى بالآف من الوسائل التي ترى هينة عند أول النظر فإذا رددت النظر إليها هالك ما يهولك من وخيم العواقب؟
ما ظنك إذا كان شيء مثل لويس عوض، وأشباه له كثر قد استخدموا لينبثوا في كل ناحية من حياتنا الأدبية والثقافية والاجتماعية وكل منهم في لباس يتنكر فيه ليؤدى مهمة هو مكلف بها طبقا لدراسة مخططة تأتى في مواقيت بعينها مندسة في الانتفاضات الكبرى لتقى أربها من القضاء على كل انتفاضة أو تحويلها عن صحيح اهدافها أو تعويقها عن السير في الطريق الذى كان ينبغى ان تسير فيه إلى غايتها أمن العبث عندئذ أن أقف متمهلا أدلك على مواطئ أقدام الفتاك والخبثاء وعلى مسارب كالتى وصفها المتنخل الهذلىُّ إذ يقول:
كأن مزاحف الحيات فيه ... قبيل الصبح آثار السياط
وإنها لحيات ليل مظلمٍ، لا يُشفى لها لديغٌ. ولا ينبئك مثل خبير، فإني كنتُ