فمن الغفلة التي تطمس القلب والعين والعقل ان يعرف ذلك إنسان له بقية من نخوة أو كرامة أو عقل ثم لا يعيد النظر في كل أمر من أمور الأمة العربية والإسلامية ليرى أثر إصبع التبشير العامل على تحطيم النفس العربية المسلمة في كل ناحية من نواحى الحياة الأدبية والسياسية والاجتماعية وليبصر عيانا صدوع التحطيم والهدم ظاهرة في حياتنا وليدرك أن العدو الذي يريدنا أن نعتنق مبادئ الحضارة الغربية وأن نعيش طريقة العيش الغربية إنما يريد أن يقوض بناء كاملا تم كماله في قرون متطاولة وبقى يقارع الخطوب والأحداث والنكبات دهورا محتفظا بقوته وكيانه ولم يجترئ عليه العالم الأوربى المسيحي إلا بعد طول تردد في القرن التاسع عشر فما قال توينبى.
ولأن أحكم عروة كانت تربط العالم الإسلامي على أختلاف ألسنته وأجناسه في قارتى آسية وأفريقية هي لغة العرب التي بها نزل القرآن كما قال القس المبشر زويمر وكما أشار إلى بعض ذلك المؤرخ الإنجليزى توينبى فإن التعليم الذي فرضه الاستعمار الغازى على العالم الإسلامي والذى تولاه التبشير بفتح مدارسه في كل بلد من بلاد هذا العالم اعتمد أول ما اعتمد على محاربة اللغة العربية حيث كانت كما شهد بذلك الأستاذ الفاضل جرجس سلامة في كتابه عن التعليم الأجنبى في مصر في القرنين التاسع عشر والعشرين (1)، وكما يدل عليه أيضا ما انتهت إليه مدارسنا من الأستهانة بشأن اللغة العربية وظهور ذلك ظهورا بينا في جميع نواحى حياتنا التي نحياها اليوم وسبب هذا البلاء الذي نعانيه إنما هو الهدف الذي اراده دنلوب بنظامه الذي سير عليه المدارس المصرية حينا طويلا بأن يجعل اللغة الإنجليزية هي السائدة في التعليم كله ويجعل لغة البلاد كأنها لغة أجنبية تدرس في غربة شديدة على نفوس الناشئة فلا يكاد يطول زمن حتى ينحل الاهتمام بها شيئا فشيئا حتى تكاد تصبح لغة غريبة على ابنائها وأهلها، وهكذا
__________
(1) انظر ما سلف ص: 152.