كان = (ولكن من المحزن ومن المخزى أن يكون هذا هو الهدف الحقيقى الذي سعى إليه دنلوب أكبر السعى وأصدقه ثم لا نزال إلى الساعة نسمع من يقول للناس إن نظام دنلوب كان يرمى إلى أخراج طبقة من الموظفين لا غير. وهذا باطل معرق وقصد سخيف لا يصدقه إلا من أعوزته ملكة نقد الأقوال والأخبار والشائعات المروجة لستر الحقيقة فهو لذلك لا يبالى أن يحاول عرضها على صريح من العقل أو على شهيد من الواقع) (1).
وإذا كان الغرب قد توقى طوال هذه الفترة أن يواجه العالم الإسلامى في ميادين القتال مخافة أن تكون عاقبة التلاقى وجها لوجه وخيمة كما قال توينني فإنه قد جاء ما لم يكن قادرا على توقعه يومئذ فضلا عن توقيه. فقد كانت نتيجة التصادم بين قوى الأمة العربية والإسلامية وقوى الاستعمار والتبشير في ميدان الحرب اللغوية والحرب الثقافية أن أنبعثت في جميع أرجاء العالم الإسلامى حركة إحياء شديدة العجلة كالذي حدث في الهند وغيرها وانتطلقت أيضًا حركة عربية تفور بالآمال وبتحقيق الآمال معا كان يحمل لواءها يومئذ البارودى وذلك في نحو سنة 1870 كما أسلفت فإذا بنا نفاجأ بعد قليل بدعوة سخيفة جدا عند من يحسن النظر ومن له أدنى قدر من صحيح من سلامة الطبع ومن عنده أدنى قدر من حب بلاده ولغة أمته ومن له أدنى حس بطبائع الألسنة البشرية وتاريخها ومدارجها على العصور المتطاولة ولا عجب فإنها كانت دعوة خبيثة المخرج اهتبلتها مؤسسات التبشير ودعاته على حين فترة من غلبة الجهل بالقراءة والكتابة في جماهير الناس وعلى حين الوقوع في قبضة الاستعمار الذي يشل حركة المصلحين فيمنعهم بوسائل مختلفة من إدراك ما يبتغون من إصلاح حال أمتهم إلا بعد جهد جاهد.
وهذه الدعوة هي دعوة استخدام العامية واستبدالها بالفصحى في التعليم والكتابة التي لم يكن لها مخرج في مصر منذ سنة 1880 إلى سنة 1902، إلا من
__________
(1) انظر ما سيأتي في آخر مقالة: "ضفادع في ظلماء ليل ... ",