كتاب أباطيل وأسمار (اسم الجزء: 1)

شديدة فكان ذلك تعطيلا تاما للقوة التي تنشأ من أبناء البلاد ومثقفيها وجعلها فاقدة للقدرة على التعبير بلسان قومها في العلم الذي أفنت الليالى والأيام تعلمه على علاته لمنفعة أمتها وفي هذه الأحوال لا يأمن المرء أن يجد استعدادا شديدا للاحراف في التفكير ولا سيما إذا خالط الفطر شيء يقسره على الخضوع لسيادة ارتضاها حبا وإعجابا أو هوانا ومذلة أو خيانة وسوء نية.
وفى هذه الفترة أيضًا احتدم ما أحياه البارودي فظهر من الكتاب والشعراء من مهدت لهم قواهم أن يتصدروا قيادة الطريق إلى إحياء العربية في الجماهير الباقية المحبة للغة بلادها دون معونة تحدثها المدارس من تخريج جمهور محب للغة بلاده يتكاثر به عدد هذه الجماهير وكان في مقدمة ورثة البارودي في باب الشعر خاصة جماعة تكاثروا تقدم منهم شوقى وحافظ ومطران وعشرات من نوابغ الشعر من بعدهم ولكن كان أمر الإحياء كما ترى كجناحى طائر أحدهما ناهض يخفق والآخر مهشوم مكسور مهيض فكلما تكاثر عدد المتخرجين من هذا التعليم بتكاثر المدارس زاد هذا في جانب العامة ولم ينفع خاصة الإحياء العربي بشيء يذكر.
ومضت الحياة تضطرب منذ احتلال الإنجليز لمصر واستيلائهم على كل ما فيها سنة 1882 بعد هزيمة زعيم البلاد أحمد عرابي فنشأ بعده مصطفى كامل وبدأت به حركة جديدة للإحياء من وجوه أحرى كثيرة وبدأت تتكون نواة مقاومة يغذيها الإنجليز والفرنسيون وجميع أعوانهم ممن لهم سلطة أو جالية في هذه البلاد ليحولوا بين دعوة مصطفى كامل التي تقوم في اساسها على الاعتراف بالخلافة التركية وعلى الأمل في أن تخرج تركيا من محنتها التي أوقعها العالم فيها الأوربى المسيحي الذى طوقها وجعل يطعنها من جميع نواحيها ثم سماها مريضة أوربة بعد أن سلط عليها كل جراثيمه الفتاكة بالدس والمكر والخداع.
فبعد فترة بدأت دعوة مصر للمصريين معارضة لمبدأ مصطفى كامل،

الصفحة 207