أن لا يَحُدّ لغته الفسيحة، بحدود ما يستعمل منها في ميدان باب الخلق أو في سوق الخضار إن لم يكن التوسع في الألفاظ للمعانى ولا لمنفعة الأدب ولا لخدمة اللغة فليكن على الأقل لخدمة القرآن الذي بات الكافة لا يفهمون معنى ألفاظه ومن واجبهم أن يفهموه فإنه إنما يتلى ليفهم .. لا يعلم إلا الله متى نرى شوقى وحافظ بالعين التي يرى بها الإنجليز شعراءهم بل متى نحب وطننا ولغتنا وآدبنا ومتى يكون للحق سلطان على نفوسنا حتى لا نتخذ الجد لعبا ولنتعلم حسن الظن وصدق الانتقاد؟
لم تمض على هذه المقالة أربعة سنوات حتى شرع هذا الرجل يضع مشروعا لإبادة العربية وطمرها في ركام من الكلمات الأجنبية وتحطيم بنائها بالعامية تحطيما كاملا بلا رعاية لما ذكر من التوسع في الألفاظ والمعانى ومن منفعة الأدب ومن خدمة اللغة ومن خدمة القرآن أين ذهب كل هذا الذي قال ومن الذى لوى لسانه ومن أي مصدر جاءته هذه الأفكار المضيئة؟
إن هذا الرجل كان أول عربى اجترأ على أن يردد المقالة الخبيثة التي قالها الأربعة الخبثاء المخارج من قبله ولكن في ثياب أخرى ألبسها إياها من ثياب بنات أفكاره وكان الله بالسر عليما. وبظهور مقالاته التي لا أجد ما اصفها به سوى الخلو التام من المنطق والتلبس التام بالتذاكى الماكر انضم تيار الدعوة إلى استبدال العامية بالفصحى جدالا ومناقشة ثم استعمالا في المسارح واشباهها.
ومن العجيب الذي لا ينقضى منه العجب أن يجيء توقيت هذه الدعوة قام بها هذا الرجل على أبواب القلق العالمى الذى أفضى إلى الحرب العالمية الأولى وفي الوقت الذي كانت تتجمع فيه قوى الأمة كلها لتنفجر في وجه الاحتلال البريطاني والذى عاق انفجاره نشوب الحرب العالمية وإقدام الإنجليز على حشد مليون مصرى ونصف مليون باسم السلطة ليكونوا وقودا لنار هذه الحرب فتأخر ميقاتها إلى سنة 1919 فكان لأمر العامية فيها شأن آخر سنتحدث عنه إن شاء الله فيما يلى ولكن ينبغى أن تحرص على التعجب من اقتران الدعوة إلى العامية بالأحداث السياسية التي توشك أن تفجر الأمة العربية تدفعها إلى محاربة الاستعمار فإنه اتفاق عجيب! وإلى الأسبوع القادم.