وإنى لمحدثك بالخبر دون مقدمات فإن كان في الكلام فضل أثبت ما كان حقه أن يكون مقدمة في آخر الكلام وإن كان في الإستغناء عن المقدمات والمؤخرات في هذا الأمر اولى وأجمل. وعنوان هذا الكتاب: الإسلام في إثيوبيا في العصور الوسطى مع الاهتمام بوجه خاص بعلاقة المسلمين والمسيحين وهو عنوان حسن في موضوع حسن ويبدأ الباب الأول بدءا كريما فيقول ما نصه:
جهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعوة فوجد فيها العرب هدما لما ألفوه من معتقدات وخروجا عما اعتادوا أن يعبدوه ولكن هذا لا يقاس بما وجده أغنياء قريش من تقويض لسلطانهم ومنصرف عن لذاتهم التي اعتادوها فناصبوه العداء وأجمعوا على محاربته والقضاء على دعوته.
وأدع ما في الكلام من تظاهر المرء بما لا يعتقده دينا حقا ويقينا وهو أمر غير محمود وإن كنت أرجو أن لا يكون عليه بأس من ذلك إن شاء الله وعسى ولعل ولكن بقية الكلام كلام فيه تظاهر من نوع آخر وهو التفلسف في علل التاريخ وذلك أنه زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جهر بالدعوة أنكرت العرب ذلك لخلافه لما اعتقدوه وما عبدوه ثم استثنى منهم أغنياء قريش وعلل عداوتهم بأنهم خافوا أن يقوض سلطانهم ويحول بينهم وبين لذاتهم التي اعتادوها.
وهذا عجب لأن الأمر إما أن يكون مأخوذا من السير الموثوق بروايتها أو يكون منزوعا من التوهم والتخرص. والسير بإجماعها لا تقول شيئا من هذا ولا تدل عليه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث في مكة ظل يدعو أهل مكة وهم قريش مستخفيا ثلاث سنين أو أربع إلى أن أمره الله بإظهار الدعوة بقوله: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} [الشعراء: 214 - 216]. وعشيرته الأقربين هم قريش أيضا فأسلم في فترة إخفاء الدعوة عدد قليل جدا جلهم من قريش فلما أعلن الدعوة ودعا قريشا وهم عشيرته الأقربون ترددت قريش في أمرها وراعهم ما يدعون إليه ولكنهم لم ينكروا عليه شيئا من ذلك حتى عاب آلهتهم وسفه احلامهم وذم ما كان عليه آباؤهم وأخبرهم أن آباؤهم في النار. فعند ذلك أبغضته قريش غضبا ومحمية،