وبقوا في الشعب محصورين لا يخرجون إلا من موسم إلى موسم ثلاث سنين أي إلى سنة عشرة من النبوة حتى نقضت الصحيفة وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشعب فكان أول خروجه بعد ذلك في الدعوة إلى دين الله إى الطائف في شوال سنة عشر. ثم كان بعد ذلك بمدة أن ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل أيام الموسم ويدعوهم إلى الإسلام ويخرج وراءه أبو لهب تبت يده وهو عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لقبيلة قبيلة في الموسم: من رجل يحملنى إلى قومى فيمنعنى حتى أبلغ رسالة ربى فإن قريش قد منعونى أن أبلغ رسالة ربى فيقول أبو لهب تبت يده: لا تسمعوا منه فإنه كذاب. فكانت أحياء العرب تتحاماه لما تسمع من قول أبو لهب تبت يده ولما كانوا يسمعونه من قريش من قولهم: كاذب وساحر وكاهن وشاعر.
وإذن فتقديم الإستاذ في ذكر العرب في إنكار دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذكر قريش لا يطابق شيئا من السير ثم خصه قريشا في إنكار الدعوة بما خصها به وتأخير ذكر العرب وهو اللفظ الجامع الذى تدخل فيه قريش وغير قريش لا يطابق أيضا شيئا من السير. وإذن فهو كما قلت لا ينتهى إلا إلى التوهم والتخرص وإظهار التفلسف في التاريخ بلا أصل من منطق قويم.
وإلقاء هذا الكلام إلقاء مجردا كأنه شيء مسلم مقطوع به. هو داء لويس عوض الذى ظهرت أعراضه فيما كتبه عن شيخ المعرة كما أسلفت بيان ذلك. ومهما يكن من شيء فإن الأمر لوقد بلغ هذه الغاية ووقف عندها لما كان على الأستاذ الفاضل بأس بل يقال له ما كان يقال في المثل ليس بعشك فادرجى (اى ليس هذا الأمر الذى لك به علم فدعه) وأيضا عسى أن يكون معذورا فإن هذا الخلط متفشى عند جمهرة من أدعياء الكتاب في زماننا نقلا عن المرض المتفشى في كتب الذين طمس الله على عيونهم وعقولهم إذ ا ذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المستشرقين أو المبشرين والمستشرقون والمبشرون هم في الحقيقة