كتاب أباطيل وأسمار (اسم الجزء: 1)

- 14 -
هذه أول مرة استبيح لنفسى ان اجعل ما تسمعه اذناى ماده لبعض حديثى إلى الناس بالكتابة فذلك ليس من شيمتى ولا خلقى لانى اعد اللجوء إلى هذا النمط ولا سيما حين اتنأول امرا من امور الأدب أو العلم أو السياسه أو غيرها خروجا على ما ادبنى به طول اعتزالى الناس من ترك المبالاه بما تتلاغظ به جماهير من الخلق تعد خطأ في المثقفين وليسوا بهم ولكنهم إذا حصلت ما في صدورهم وقلوبهم وعقولهم أصحاب ثرثرة وترترة وبربرة (وهى ثلاثه ألفاظ متقاربة في معانى اللغظ والاكثار والهذر بيد أن الفروق بين ثلاثتها تدل على ان هذه اللغة الشريفة غاية في براعة التصوير بألفاظها الجامعة). وهم أيضًا في حقيقه أمرهم مزامير مزعجه مختلطه الاصوات في المجالس أو شجر مر الثمر مزروع على قوارع الطرق أو احلاس مرذولة لكهوف المقاهى المظلمة أو المضيئة ولكنها على ذلك كله احلاس ذات فحيح أو ذات جعجعه ثم لا شئ وراء ذلك الا ما قدر المقدر من تكاثرها وانتشارها وشيوعها في حياتنا بأسباب يعجب المرء كيف جاءت ولم اتفقت فاذا هي في زى استاذ أو مفكر أو فيلسوف أو أديب أو شاعر أو كاتب أو فنان أو ما شئت مما تعلم وترى وتسمع وقد أجاءنى طول اختبارى له وتجربتى (أجاءنى أي اضطرنى إلى أضيق الطرق) أن أعتزل عشرتها ومصاحبتها منذ زمان وأن أنفض ثوبى من ثيابها وأن اقنع بعشرة أهل الفضل من قليل الناس حتى خلتنى قد دخلت مع شيخ المعرة رحمه الله فيما دخل فيه، حيث وعظ نفسه وقال:
لم يبق في العالميين من ذهب ... وإنما جل من ترى شبه (1)
دعهم فكم قطعت رقابهم ... جدعا ولم يشعروا ولا أبهوا
__________
(1) "الشبة"، ضرب من النحاس، يلقى عليه دواء فيصفر وإذا فعل به ذلك أشبه الذهب.

الصفحة 255