ولا يكاد يمضي قليلا حتى يكشف عن دفين حقده الذي كان قد استودعه "بلوتولند"، فيذكر الفترة التي عاش فيها جيل السياب في صدر شبابهم، فيقول: "فلم يكن بد من أن يتأثر تكوينهم الفني بهذا القلق الأعظم، فتمردوا على الفن الموروث صورة ومادة. ولم يكن أمامهم إلا معمار شوقي والكلاسيكيين من ناحية، وأحلام عليّ محمود طه والرومانسيين من ناحية أخرى. لم يكن أمهم إلا: "رَمَى القَضَاءُ بِعَيْنَىْ جُؤْذَرٍ أسَدًا" ثم يقول أيضا: فإذا ما التفتوا إلى الكلاسيكية العربية الأصيلة وجدوا من يقول لهم "السيف أصدق أنباء من الكتب"، دون أن يقول لهم كيف؟ ولماذا؟ وهل هذا حق في شريعة الأخلاق، أم هو قدر أسيف، كتب على بني الإنسان منذ عهد قابيل؟ وم الرأي في كل هذا البارود الذي لطخ وجه الأرض بين 1939 و 1945. فإذا ما التفتوا إلى الرومانسية العربية الأصيلة، وجدوا من يقول لهم: " لم يكن وصلك إلا حلما في الكرى أو خلسة المختلس"، وهو شئ لا يقرأون له نظيرا في البلاغات الحربية التي كانوا يطالعونها كل يوم!! ولا ... " ويعطف على ذلك هلوسات كثيرة.
وفي هذا الذي نقلت كفاية وفوق الكفاية، لمن يعرف كيف يميز طبائع الكتَّاب، ولكن المهم أن "رَمَى القَضَاءُ بِعَيْنَىْ جُؤْذَرٍ أسَدًا" الذي ذكرناه هنا، وذكره "بلوتولند" أيضا في التجربة السادسة، وهي تجربة "كسر رقبة البلاغة"،والتي اعترف فيها بأنه بقى ما بين العشرين إلى الثلاثين لم يقرأ حرفا بالعربية!! وبأنه ضعيف فيها بالفطرة، وأن إحساسه باللغة العربية أجنبي جدا على كل حال = هذا الشطر من شعر شوقي، وهو من قصيدة التزم فيها ما لم يلتزمه في غيرها من شعره لغرض واحد، وهو "المعارضة"، لأنه من قصيدته المعروفة "نهج البردة"، التي عارض بها القصيدة الرائعة "البردة" للبوصيري. وهذا شئ لا يعيب شوقي أن يفعله، ولكن هذا المسكين، لم يجد عند شوقي ما يُستنكر سوى هذا البيت، وكأنه هو عمود شعر شوقي وأجودُهُ وأتقنُهُ وأدلُّه على أسلوبه ونهجه: وهذا بطال بالطبع، فاهتمامه بذكر هذا الشطر وجعله دلالة على شعر شوقي كله، ضرب من السخف والجهل والمغالطة، ولكن الدافع إليه هو أن "نهج البردة"،وهو في مديح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراد هذا المأفون، بما في قلبه من العداوة والبغضاء لله ورسوله وللمؤمنين،