كتاب أباطيل وأسمار (اسم الجزء: 1)

فأى نغم جليل فخم متهدج النبرات اهتدى اليه هذا الجاهلى القديم بما في قلبه من الهم والقلق ثم استودعه هذه الاحرف القلائل وانفذها إلى اعماق الحياة الإنسانية ثم سلها كأنها اسنه مصقوله حداد لها بصيص يلمع في ظلمات الحيرة؟ وأى نشوه يدب في خفقاتها دبيب الحزن الكامن والحسرة المترقرقة، اطاق هذا العربى المبين ان يملا بها وجدان حياتنا بلا رموز يونانيه متمرغه في اوحال الاساطير ولا رموز وثنيه المنابت والاصول تجعل الحياة البشرية جحيما مستعرا من الخطايا والذنوب والاثام وتحيل الهم الشريف ظلمه مطبقه على القلب والنفس والقل السامى تدميرا لبنيان الله الذى اعطى كل شئ خلقه ثم هدى سبحانه وتعالى.
وما دام القلم قد حلمنى هذا المحمل ودخل بى إلى حديث لم اردة حين بدأت فيأدعه يحدثك عن عربى آخر عظيم الهم كريم القلق وهو أيضًا جاهلى عنيق وهو جد روايه الكوفه المفضل بن محمد الضبى واسمه سلمى بن ربيعة بن زبان الضبى فقال يصف اعمق من نشوة الملك جذيمة الوضاح: (سيأتى شرح الابيات بعد تمام المقالة ص 308 - 310)
إن شِوَاءً ونشوة ... وحبب البازل الأَمُون
يجشمها المرء في الهوى ... مسافه الغائط البطين
والبيض يرفلن كالدمى ... في الربط والمذهب المصون
والكثر والخفض آمنا ... وشرع المزهر الحنون
من لذة العيش والفتى ... للدهر والدهر ذو فنون
واليسر للعسر والغنى ... للفقر والحى للمنون
اهلكن طسما وبعده ... غذى بهم وذا جُدُون
واهل جاش ومأرب ... وحى لقمان والتًّقون
فأي نغم؟ وأي نشوة؟ وأي حزن رقيق؟ وأي استقبال لخير الحياة وشرها بلا خوف ولا تردد؟ وأي قدرة على جعل هذه الألفاظ العربية الشريفة، اوتارا مشدودة على قياس وحساب حتى تنبعث من تلاوتها انغام معبرة عن الحياة والموت بأضواء

الصفحة 294