- 18 -
أربعون سنة!! لقاء مفاجئ على غير ميعاد غرباء. جمعتهم الغربة على طريق نظر بعضهم في وجوه بعض من بعيد وقريب ومر جسد قريبا من جسد وتحيه يلقيهها احدهم على بعضهم بلا بشاشه ثم يمضى كانه لا يبالى ثم يلتفت من بعيد ليجس هذا الجثمان المنتصب بنظرة فاحصه ثم يعودون مرة أخرى فتلقى الوجوه وتتقابل وتتصافح النظرات بالطرف الخفى ثم يعرض هذا ويمضى كل امرئ لطيته في أرض الصمت ثم يعودون مرة ثالثه فتقبل الاشباح على الاشباح فتمتد الايدى فيذهب هذا يمينا ويذهب هذا شمالا وتنطوى الأيام يوما بعد يوم وسرعان ما تجلت عنهم هذه الغربه الراغبه المعرضه وسرعان ما تكشف الاعراض والاقبال عن صداقه بلا طمع وعن مودة صافيه بلا كدر واذا شباب تستفزه جهاله الصبى وغراره الطباع والسنه ثرثاره لحداثه عهدها بالابانه عما في سر قلوبها وعقولها وغمرات ممن الفرح تخوضها بجراأه وبلا تردد واختلاف واتفاق ورضى وغضب وصوت يعلو وصوت يهمس وليل ينساب في نهار ونهار يشق سدول ليل وات منقض ينفى الملاله عن ماض منهزم وراى متجهم ينشق عن مرح ضاحك واندفاع إلى غابه كالسيل الجارف وارتداء عنها كمثل لمحه البرق ووقار باد تهزه من تحته خفه كامنه وطيش طليق يكف من غلوائه أدب وحياء.
يومئذ لقيت محمد مندور وسائر اخوانى وزملائى أول ما لقيتهم منذ أربعين سنة في حدائق قصر الزعفران مقر الجامعة وكلنا غِرُّ بادى الغرارة وكلنا دون العشرين ومضت الأيام وتصرمت الشهور ومحت سنة اختها وبدأت معالم الطريق تبدو لخطانا من حيث لا ندرى ولا نحس ولكنى كنت اولهم احساسا