الكتاب وتضمن معظمها أحكام الله وشرائعه التي فرضها على عباده وارتضاها لهم وبين عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الذي روي عنه ومعظم حديثه في المدينة بعد الهجرة كما هو ظاهر لمن يتأمل الحديث ويتتبعه وقد كنت أحب أتتبع هذا اللفظ في آيات القرآن الذي نزل بالمدينة وفي الحديث أيضا ولكني رأيت الأمر يطول فآثرت اختصاره.
وقد وجدت أن ذكر الدين معرفا مضافا إلي يوم أي يوم الدين بمعني الحساب والمجازاة وهو المعني الأول قد خلا منه ما نزل من القرآن بالمدينة ولم يأت بهذا المعني الأول إلا في آية واحدة في سورة النور وهي قوله تعالى {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} [النور: 25] فطابق هذا التاريخ الدعوة لأن الأمر بعد الهجرة قد اختلف وصار إلي إتمام العبادة الصحيحة التي يعد بها العابد عابدا لله لا في العقائد وحدها بل في الشريعة كلها عقائدها وعباداتها وآدابها وأصولها في النظر والاستدلال وذلك بعد أن ضرب الإسلام بجرانه واستقر وقويت شوكته في دار أنصار الله بالمدينة.
ثم وجدت لفظ الدين قد جاء معرفا مقرونا بذكر الإخلاص وهو المعني الثاني في سورة البينة وذلك قوله تعالى في ذكر أهل الكتابين والمشركين جميعا {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5] فهذا بمعني الطاعة والخضوع وإفراد الله بالألوهة وخلع الأنداد والشركاء والشفعاء واتخاذ الولد وإقامة المطيع وجهه خاشعا خاضعا لله وحده مستقيما غير معوج إلي طاعة معوجة في يهودية أو نصرانية أو عبادة وثن ومثل ذلك أيضا ما جاء في آية سورة التوبة في ذكر عدة الشهور وقوله تعالى {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [التوبة: 36]
***