وإشفاقه وحدبه ساكن الطائر فلما فاقه ريع وقلق واضطراب وأراد فراق هذه المعرة حتى تم له ذلك في سنة 398 هـ فهذا بدء عزمه على الرحلة وبالطبع هذا شيء مختلف كل الاختلاف عن الأسباب التي أراد الدكتور لويس عوض أن يلتمسها لرحلته إلى بغداد من النتش والخبط في فتنة لؤلؤ على أبي الفضائل سعيد الدولة الحمداني لحساب الفاطميين وبقية الأخيلة التي نشأت له في أخر مقاله الخامس كما سنبين إن شاء الله وحسبنا الآن تحفة واحدة بلا إكثار ولا لجاجة.
وأشد مما وجد أبوه لعماه وجدت أمه على ضريرها الصغير الضعيف العاجز القادر بغير لا بنفسه القصير النحيل الرقيق العظام وهذه صفة الشيخ إلى آخر عمره فكانت عليه أشد حدبا من أبيه وتولت أمره بنفسها تقوم بشأن هذا العاجز الشديد الحياء المفزع الحس الذي يصر على أن يأكل وحده حتى لا يرى مؤاكله منه ما يكرهه أو يسوءه أو يضحكه وقد دل شعره في رثائها بعد موتها في سنة 400 هـ وهو في السابعة واثلاثين من عمره على كل ذلك إذ يقول:
دعا الله أما ليت أني أمامها ... دعيت ولو أن الهواجر آصالُ
مضت وكأني مرضع وقد ارتقت ... بي السن حتى شكل فودي أشكال
ويكرر هذا المعنى في رثائها مرة أخرى فيقول:
ومضت وقد اكتهلت فخلت أني ... رضيع ما بلغت مدى الفطام
ويقول فيها أيضا:
كفاني ريها من كل ري ... إلى أن كدت أحسب في النعام
فهو يتمنى أولا أن يكون أجله كان سابقا أجها وإن كان أهنأ عيش وأرغده ويرى أنه على ما بلغ من اسن قد صار رضيعا عاجزا هلكت عنه حاضنته التي تكفله وترعاه فهو في اضياع وإلى الضياع وكذلك يقول في الميمية ويزيد أنه كان في حياتها غنيا عن كل أحد فهي التي تطعمه وتشقيه في خلوة بعيدا