كتاب السيرة النبوية لابن كثير (اسم الجزء: 1)

فَعَرَفَ نُصْحَهُمَا وَصِدْقَ حَدِيثِهِمَا، وَقَرَّبَ (1) النَّفَرَ مِنْ هُذَيْلٍ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَنَحَرَ عِنْدَهُ وَحَلَقَ رَأْسَهُ، وَأَقَامَ بِمَكَّةَ سِتَّةَ أَيَّامٍ فِيمَا يَذْكُرُونَ يَنْحَرُ بِهَا لِلنَّاسِ وَيُطْعِمُ أَهْلَهَا وَيَسْقِيَهُمُ الْعَسَلَ، وَأُرِيَ فِي الْمَنَامِ أَنْ يَكْسُوَ الْبَيْتَ، فَكَسَاهُ الْخَصَفَ (2) ، ثُمَّ أُرِيَ فِي الْمَنَامِ أَنْ يَكْسُوَهُ أَحْسَنَ مِنْ ذَلِكَ فَكَسَاهُ الْمَعَافِرَ (3) ثُمَّ أُرِيَ أَنْ يَكْسُوَهُ أَحْسَنَ مِنْ ذَلِكَ فَكَسَاهُ الْمُلَاءَ وَالْوَصَائِلَ (4) ، فَكَانَ تُبَّعٌ فِيمَا يَزْعُمُونَ أَوَّلَ مَنْ كَسَا الْبَيْتَ، وَأَوْصَى بِهِ وُلَاتَهُ مِنْ جُرْهُمٍ وَأَمَرَهُمْ بِتَطْهِيرِهِ وَأَنْ لَا يُقَرِّبُوهُ دَمًا وَلَا ميتَة وَلَا مثلاة وَهِيَ الْمَحَايِضُ، وَجَعَلَ لَهُ بَابًا وَمِفْتَاحًا.
فَفِي ذَلِكَ قَالَتْ سُبَيْعَةُ بِنْتُ الْأَحَبِّ تُذَكِّرُ ابْنَهَا خَالِدَ بْنَ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ وَتَنْهَاهُ عَنِ الْبَغْيِ بِمَكَّةَ وَتَذْكُرُ لَهُ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ تبع فِيهَا: أبنى لَا تظلم بمك * كة لَا الصَّغِير وَلَا الْكَبِير واحفظ محارمها بن * ي وَلَا يغرنك الْغرُور أبنى من يظلم بمك * كة يَلْقَ أَطْرَافَ الشُّرُورْ أَبُنَيَّ يُضْرَبُ وَجْهُهُ * وَيَلُحْ بِخَدَّيْهِ السَّعِيرْ أَبُنَيَّ قَدْ جَرَّبْتُهَا * فَوَجَدْتُ ظَالِمَهَا يَبُورْ اللَّهُ أَمَّنَهَا وَمَا * بُنِيَتْ بِعَرْصَتِهَا قُصُورْ وَاللَّهُ أَمَّنَ طَيْرَهَا * وَالْعُصْمُ تَأْمَنُ فِي ثَبِيرْ وَلَقَد غَزَاهَا تبع * فكسا بنيتها الحبير
__________
(1) ابْن هِشَام: فَقرب (2) الخصف: حصر تنسج من خوص النّخل وَمن الليف.
(3) المعافر: ثِيَاب تنْسب إِلَى قَبيلَة من الْيمن.
(4) الملاء: جمع ملاءة، والوصائل: ثِيَاب مخططة يمنية يُوصل بَعْضهَا بِبَعْض.
(*)

الصفحة 21

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text