كتاب السيرة النبوية لابن كثير (اسم الجزء: 1)

فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرُؤٌ مُولَعٌ بالطرب وبالهلوك إِلَى النِّسَاءِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَأَلَحَّتْ عَلَيْنَا السُّنُونَ فَأَذْهَبْنَ الاموال وأهزلن السرارى، وَلَيْسَ لى ولد، فَادع اللَّهَ أَنْ يُذْهِبَ عَنِّي مَا أَجِدُ وَيَأْتِيَنَا بِالْحَيَاءِ، ويهب لى ولد.
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اللَّهُمَّ أَبْدِلْهُ بِالطَّرَبِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، وَبِالْحَرَامِ الْحَلَالَ وَبِالْإِثْمِ وبالعهر عفة، وآته بِالْحَيَاءِ، وَهَبْ لَهُ وَلَدًا ".
قَالَ فَأَذْهَبُ اللَّهُ عَنِّي مَا أَجِدُ، وَأُخْصِبَتْ عُمَانُ، وَتَزَوَّجْتُ أَرْبَعَ حَرَائِرَ، وَحَفِظْتُ شَطْرَ الْقُرْآنِ، وَوَهَبَ لِي حَيَّانَ بْنَ مَازِنٍ.
وَأَنْشَأَ يَقُولُ: إِلَيْكَ رَسُولَ اللَّهِ خَبَّتْ مَطِيَّتِي * تَجَوبُ الْفَيَافِي مِنْ عُمَانَ إِلَى الْعَرْجِ لِتَشْفَعَ لِي يَا خَيْرَ مَنْ وَطِئَ الْحَصَى * فَيَغْفِرَ لِي رَبِّي فَأَرْجِعَ بِالْفَلْجِ (1) إِلَى مَعْشَرٍ خَالَفْتُ فِي اللَّهِ دِينَهُمْ * فَلَا رَأْيُهُمْ رَأْيِي وَلَا شرجهم شرجي (2) وَكنت امْرَءًا بِالْخَمْرِ وَالْعَهْرِ مُولَعًا * شَبَابِيَ حَتَّى آذَنَ الْجِسْمُ بِالنَّهْجِ
فَبَدَّلَنِي بِالْخَمْرِ خَوْفًا وَخَشْيَةً * وَبِالْعَهْرِ إِحْصَانًا فَحَصَّنَ لِي فَرْجِي فَأَصْبَحْتُ هَمِّي فِي الْجِهَادِ وَنِيَّتِي * فَلِلَّهِ مَا صَوْمِي وَلِلَّهِ مَا حَجِّي قَالَ: فَلَمَّا أَتَيْتُ قَوْمِي أَنَّبُونِي وَشَتَمُونِي، وَأَمَرُوا شَاعِرًا لَهُمْ فَهَجَانِي، فَقُلْتُ إِنْ رَدَدْتُ عَلَيْهِ فَإِنَّمَا أَهْجُو نَفْسِي.
فَرَحَلْتُ عَنْهُمْ فَأَتَتْنِي مِنْهُمْ زُلْفَةٌ عَظِيمَةٌ، وَكُنْتُ الْقَيِّمَ بِأُمُورِهِمْ، فَقَالُوا: يَا ابْن عَم:؟ ؟ بِنَا عَلَيْكَ أَمَرًا وَكَرِهْنَا ذَلِكَ، فَإِنْ أَبَيْتَ ذَلِكَ فَارْجِعْ وَقُمْ بِأُمُورِنَا، وَشَأْنُكَ وَمَا تَدِينُ بِهِ.
فَرَجَعت مَعَهم وَقلت:
__________
(1) الفلج: الْفَوْز وَالظفر.
(2) الشرج: الْمثل.
(*)

الصفحة 351