كتاب السيرة النبوية لابن كثير (اسم الجزء: 1)

طَامِثٍ؟ فَقُلْنَا: وَمَنْ لَنَا بِهَا؟ فَقَالَ شَيْخٌ مِنَّا: هِيَ وَاللَّهِ عِنْدِي عَفِيفَةُ الْأُمِّ فَقُلْنَا فَعَجِّلْهَا.
فَأَتَى بِالْجَارِيَةِ وَطَلَعَ الْجَبَلَ وَقَالَ لِلْجَارِيَةِ: اطرحي ثَوْبك واخرجي فِي وُجُوههم، وَقَالَ للْقَوْم: اتَّبِعُوا أَثَرَهَا، وَقَالَ لِرَجُلٍ مِنَّا يُقَالَ لَهُ أَحْمد بن حَابِس: يَا أَحْمد بن حَابِس، عَلَيْك أول فَارس.
فَحمل أَحْمد فَطَعَنَ أَوَّلَ فَارِسٍ فَصَرَعَهُ وَانْهَزَمُوا فَغَنِمْنَاهُمْ.
قَالَ: فَابْتَنَيْنَا عَلَيْهِمْ بَيْتًا وَسَمَّيْنَاهُ ذَا الْخَلَصَةِ، وَكَانَ لَا يَقُولُ لَنَا شَيْئًا إِلَّا كَانَ كَمَا يَقُولُ.
حَتَّى إِذَا كَانَ مَبْعَثُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لَنَا يَوْمًا: يَا مَعْشَرَ دَوْسٍ، نزلت بَنو الْحَارِث ابْن كَعْب.
فَرَكبْنَا فَقَالَ لنا: اكدسوا الْخَيل كدسا، واحشوا الْقَوْم رمسا، انفوهم غَدِيَّةً، وَاشْرَبُوا الْخَمْرَ عَشِيَّةً.
قَالَ: فَلَقِينَاهُمْ فَهَزَمُونَا وَغَلَبُونَا فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ فَقُلْنَا: مَا حَالُكَ وَمَا الَّذِي صَنَعْتَ بِنَا؟ فَنَظَرْنَا إِلَيْهِ وَقَدِ احْمَرَّتْ عَيناهُ، وانتصبت أذنَاهُ وانبرم غضبانا حَتَّى كَادَ أَنْ يَنْفَطِرَ وَقَامَ.
فَرَكِبْنَا وَاغْتَفَرْنَا هَذِهِ لَهُ وَمَكَثْنَا بَعْدَ ذَلِكَ حِينًا، ثُمَّ دَعَانَا فَقَالَ: هَلْ لَكَمَ فِي غَزْوَةٍ تَهَبُ لَكُمْ عِزًّا وَتَجْعَلُ لَكُمْ حِرْزًا وَيَكُونُ فِي أَيْدِيكُمْ كَنْزًا؟ فَقُلْنَا: مَا أَحْوَجَنَا إِلَى ذَلِكَ.
فَقَالَ ارْكَبُوا.
فَرَكِبْنَا فَقُلْنَا: مَا تَقُولُ؟ فَقَالَ: بَنُو الْحَارِثِ بْنِ مَسْلَمَةَ.
ثُمَّ قَالَ: قِفُوا، فَوَقَفْنَا ثُمَّ قَالَ: عَلَيْكُمْ بِفَهْمٍ، ثُمَّ قَالَ لَيْسَ لكم فيهم دم، عَلَيْكُمْ بِمُضَرَ، هُمْ أَرْبَابُ خَيْلٍ وَنَعَمٍ.
ثُمَّ قَالَ: لَا، رَهْطُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ قَلِيلُ الْعَدَدِ وَفِيُّ الذِّمَّةِ.
ثُمَّ قَالَ لَا،
وَلَكِنْ عَلَيْكُم بكعب بن ربيعَة وأسكنوها ضَيْعَة عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، فَلْيَكُنْ بِهِمُ الْوَقِيعَةُ.
قَالَ: فَلَقِينَاهُمْ فَهَزَمُونَا وَفَضَحُونَا، فَرَجَعْنَا وَقُلْنَا: وَيْلَكَ مَاذَا تَصْنَعُ بِنَا.
قَالَ: مَا أَدْرِي كَذَبَنِي الَّذِي يَصْدُقُنِي.
اسْجُنُونِي فِي بَيْتِي ثَلَاثًا ثُمَّ ائْتُونِي.
فَفَعَلْنَا بِهِ ذَلِكَ ثُمَّ أَتَيْنَاهُ بَعْدَ ثَالِثَةٍ ففتحنا عَنهُ فَإِذا هُوَ كَأَنَّهُ حجرَة نَارٍ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ

الصفحة 354

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text