كتاب السيرة النبوية لابن كثير (اسم الجزء: 1)

ثُمَّ أَضَاءَ إِضَاءَةً أُخْرَى حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى قُصُورِ الْحِيرَةِ وَأَبْيَضِ الْمَدَائِنِ (1) .
فَسَمِعْتُ صَوْتًا فِي النُّورِ وَهُوَ يَقُولُ: ظَهَرَ الْإِسْلَامُ، وَكُسِرَتِ الْأَصْنَامُ،
ووصلت الْأَرْحَام.
فانتبهت فَزعًا، فَقلت لقومي: وَالله لَيَحْدُثَنَّ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ حَدَثٌ، وَأَخْبَرْتُهُمْ بِمَا رَأَيْتُ.
فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى بِلَادِنَا جَاءَنَا رَجُلٌ فَأَخْبَرَنَا أَنَّ رَجُلًا يُقَالَ لَهُ أَحْمد قد بعث، فَأَتَيْته فَأَخْبَرته بِمَا رَأَيْت فَقَالَ: " يَا عَمْرُو بْنَ مُرَّةَ، إِنِّي الْمُرْسَلُ إِلَى الْعِبَادِ كَافَّةً أَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَآمُرُهُمْ بِحَقْنِ الدِّمَاءِ وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَعِبَادَةِ اللَّهِ وَرَفْضِ الاصنام، وَحج الْبَيْت، وَصِيَام شهر مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا وَهُوَ شَهْرُ رَمَضَانَ، فَمَنْ أَجَابَ فَلَهُ الْجَنَّةُ.
وَمَنْ عَصَى فَلَهُ النَّارُ، فَآمِنْ يَا عَمْرُو بْنَ مُرَّةَ يُؤَمِّنْكَ اللَّهُ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ ".
فَقُلْتُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، آمَنْتُ بِكُلِّ مَا جِئْتَ بِهِ مِنْ حَلَالٍ وَحَرَامٍ، وَإِنْ أَرْغَمَ ذَلِكَ كَثِيرًا مِنَ الْأَقْوَامِ، ثُمَّ أَنْشَدْتُهُ أَبْيَاتًا قُلْتُهَا حِينَ سَمِعْتُ بِهِ، وَكَانَ لَنَا صَنَمٌ وَكَانَ أَبِي سَادِنًا لَهُ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَكَسَرْتُهُ ثُمَّ لَحِقْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَقُولُ: شَهِدْتُ بِأَنَّ اللَّهَ حَقٌّ وَأَنَّنِي * لِآلِهَةِ الْأَحْجَارِ أَوَّلُ تَارِكِ فَشَمَّرْتُ عَنْ سَاقِي إِزَارَ مُهَاجِرٍ * إِلَيْكَ أَدِبُّ الْغَوْرَ بَعْدَ الدَّكَادِكِ (2) لِأَصْحَبَ خَيْرَ النَّاسِ نَفْسًا وَولدا * رَسُولَ مَلِيكِ النَّاسِ فَوْقَ الْحَبَائِكِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَرْحَبًا بِكَ يَا عَمْرو بن مرّة ".
فَقلت: يَا رَسُول بأبى أت وَأُمِّي، ابْعَثْ بِي إِلَى قَوْمِي، لَعَلَّ اللَّهَ أَنَّ يَمُنَّ بِي عَلَيْهِمْ كَمَا مَنَّ بِكَ على.
__________
(1) أَبيض الْمَدَائِن: قصر كسْرَى.
(2) الوفا والخصائص: فشمرت عَن ساقى الازار مُهَاجرا * إِلَيْك أجوب الدعث بعد الدكادك والدكادك: الارض المستوية.
(*)

الصفحة 376

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text