كتاب تفسير العثيمين: النساء (اسم الجزء: 1)

وقد سميت هذه السورة بـ (سورة النساء) لذكر النساء فيها، وقد ابتدئت بأصل خلقة بني آدم، من ماذا خلقوا؟ ثم ذكرت الأرحام وما يتصل بها من المواريث وغير ذلك، ثم ذكرت ما يتعلق بالنكاح؛ لأن النكاح صلة بين الناس، كما أن القرابة صلة بين الناس، كما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤)} [الفرقان: ٥٤]، ثم ما يتعلق بمخاطبة اليهود والمنافقين، ثم ما يتعلق بأحوال النزاع بين الزوجين، كما سيمر بنا إن شاء الله تعالى.
وهذه السورة هي السورة الرابعة بعد الفاتحة والبقرة، وآل عمران، وقد ورد في صحيح مسلم من حديث حذيفة - رضي الله عنه -: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ البقرة ثم النساء ثم آل عمران" (¬١)، وهذا الترتيب كان في أول الأمر، ثم رتبت في الأخير هكذا: البقرة، ثم آل عمران، ثم النساء، واستقر على ذلك المصحف الذي جمعه أبو بكر - رضي الله عنه - ثم عثمان بن عفان - رضي الله عنه -.
يقول الله عزّ وجل: "بسم الله"، البسملة آية مستقلة، يؤتى بها في أوائل السور، إلا سورة واحدة وهي سورة براءة، فإنه لم تنزل لها بسملة، ولو نزل لها بسملة لكانت محفوظة موضوعة في مكانها؛ لأن الله تعالى يقول: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)} [الحجر: ٩]، ولكن الصحابة رضي الله عنهم أشكل عليهم هل هي مستقلة أو من سورة الأنفال؟ فوضعوا فاصلًا بينهما لأجل هذا الإشكال فقط، وليس هناك شك في نزول البسملة أولًا؛ لأن
---------------
(¬١) رواه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل، حديث رقم (٧٧٢).

الصفحة 8