كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 1)
قال أبو عبد الله: كأن الله عز وجل أحب أن يجعل ممر المؤمنين فيها؛ كي إذا نجوا منها، علموا من أين نجوا، فليس الخبر كالمعاينة، وإذا وردوا دار السلام، علموا أين دخلوا، فالشيء إنما يعرف بضده، ويعظم قدره عند هذا الآدمي، فلذلك قالوا عند دخول الجنة: {الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفورٌ شكورٌ}.
{أذهب عنا الحزن}: قطع النيران حيث خلصنا منها، وجعلها برداً وسلاماً علينا، {الذي أحلنا دار المقامة من فضله}، وذلك أنهم ركبوا أهوالاً كأمثال الجبال لما عاينوا النيران، وعلموا أن ممرهم فيها، فأخذتهم الأحزان من وجوه، لا من وجه واحد، فلما نجوا، حمدوا ربهم على ما أذهب عنهم الحزن، وعلموا أنهم لم يحلوا دار المقامة إلا من فضله وكرمه، وأنهم لم يستوجبوا ذلك منة، وكأنه -تبارك وتعالى- أحب أن يبرز فضل الصادقين، وبذلهم أنفسهم له، وليأخذ الحق بحقه من أولئك الطبقة التي آثرت شهوات نفوسها بتضييع الحق، وهم أهل لا إله إلا الله، حتى تنتقم النار منهم في طول مدة، ثم تدركهم رحمة الله، وقد محصوا ونقوا وهذبوا وصلحوا لدار السلام، فيبدل لهم أجساداً، ويجعلهم في جواره ملوكاً، وليجوز الأولياء والصديقون وهم لا يشعرون بالنار.
قال الله تعالى: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك