كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 1)

قال أبو عبد الله: فهاروت وماروت ليسا من جنس الآدميين، وكلٌّ إنما يألف بجنسه، وينخدع له، والآدمي خلق من الدنيا، فبها يألف، ولها ينخدع، وشهوات الدنيا في تركيبه مطبوع عليه، فلذلك صارت أسحر من هاروت وماروت، وهاروت وماروت لا يعلمان أحداً السحر {حتى يقولا إنما نحن فتنةٌ فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه}.
فهذا يعلمك سحره، وينبئك فتنته، والدنيا تعلمك سحرها، وتكتمك فتنتها، وتدعوك إلى التحارص عليها، والتنافس فيها، والجمع لها، والمنع منها، فتتعلم منها ما يفرق بينه وبين طاعة الله، ويفرق بينه وبين رؤية الحق ورعايته، والسحر يأخذ بالقلب عما أنت مقبلٌ عليه من زوجة أو غيرها، فالدنيا أسحر منها، تأخذ بقلبك عن الله، وعن القيام بحقوقه، وعن وعده ووعيده، وسحر الدنيا محبتها، وتلذذك بشهواتها، وتمنيك بأمانيها الكاذبة، حتى تأخذ بقلبك، ولهذا ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((حبك الشيء يعمي ويصم)).

الصفحة 160