كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 1)
شاهدته، يريك صفة ما غاب عنك، ويبصرك ما تبصره بعينك؛ لينفذ بصر قلبك إلى ما لا تبصره عينك، فيعقل قلبك ما خوطبت به من خبر الملكوت، وخبر الدارين في معاملة ملك الملوك، فليس في الدنيا نعمة ولا شهوة إلا وهي أنموذج الجنة وذوقها، ثم من وراء ذلك فيها: ما لا عينٌ رأيت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشرٍ.
فلو سمى للعباد منها، لم ينتفعوا بتلك الأسماء؛ لأنهم لم يعقلوه هاهنا، ولا رأوه، وليس لها أنموذج في الدنيا، والجنة مئة درجة، وإنما وصف منها ثلاث درجات: الذهب، والفضة، والنور، ثم من وراء ذلك غير معقول، ولا تحتمله العقول.
وكذلك ما في الدنيا من الشدة والعذاب، فهو أنموذج دار العقاب، ثم من وراء ذلك ما لا تحتمله العقول من ألوان العذاب، كل ذلك يخرج لهم من غضبه، ولأهل الجنة من رحمته، وكل من تناول من عبيده من دنياه مما أبيح له، وشكره عليها، أبدل له من الجنة ما يدق هذا في جنبه، ومن تناول مما لم يبح له، فقد حرم نفسه حظه من الدرجات، ومن كذب بها، حرم الجنة بما فيها أجمع، فلأهل الجنة عرائس وولائم وضيافات.