كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 1)

فهذه مرتبة موسى عليه السلام حيث جاءه بالكلام والمناجاة، ولم يقطع عنه بعد الموت لذة تلك النجوى، فإنما قصد بهذا الفعل الذي فعل بملك الموت؛ لأنه حسب بالموت تنقطع نجواه من ربه، ولم يفعل ذلك حرصاً على حياة الدنيا.
وجاءنا في الخبر: أن موسى لما كثر عليه الناس وتزاحموا، حتى كاد يعجز عنهم، بعث الله ألف نبي يكونون له أعواناً على ما هو فيه من قراءة التوراة، وتعليم بني إسرائيل، فمال الناس عنه إلى أبواب الأنبياء، فأدركته الغيرة.
فروي عن وهب بن منبه: أنه قال: فأماتهم الله كلهم في ليلة واحدة؛ كرامةً لموسى -عليه الصلاة والسلام-.
فليس هذا غيرة الآدميين طبعاً، ولا غيرة أهل الرغبة والتنافس، إنما غار لله، لم يطق أن ينظر إلى هؤلاء الأنبياء يعملون عنه لحب الله، كأنه أحب أن يقوى على ذلك حتى يكون هو المتولي لذلك كله دون أحدٍ ٍمن خلقه، وهذا موجودٌ في طبع الآدميين، من أحب ملكاً، وشغف به، فأمره بأمر، ثقل عليه أن يشركه في ذلك أحدٌ، ويكون في توليته ذلك بنفسه شفاء لغليان حبه، وهذا لا يعقله إلا أهله، ومن قد أخذ من هذا الأمر شعبة.
فإنما فقأ موسى -عليه الصلاة والسلام- الصورة التي أتاه فيها، لا عين ملك الموت الذي هو عينه، وهذا في تحرز الكلام، كذا يقال: والله سبحانه وتعالى أعلم.

الصفحة 295