كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 1)

ثم قال: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون}.
فباطن هذه الأمثال إنما طالعها أهل اليقين ببصائر نفوسهم، ونور يقينهم، فوضع الله هذه الأمور في الأسباب، وربوبيته في الأسباب قائمة، فلا تطرف عينٌ، ولا ينبض عرقٌ، ولا تحس حاسة من الحواس بشيء إلا بإذنه، وقوام الأشياء ودوامه به، كيفما تصرفوا في الأمور، وتقلبوا في الأحوال، فإنما يتصرفون في ربوبيته، فالموحدون وحدوه، وأخلصوا إليه التوحيد، ثم بقيت قلوبهم مع الأسباب التي منها يرون بدو الأسباب حين تبدو، ولم يعبروا إلى ولي الأسباب ومدبرها لهم، فتشبثت نفوسهم بالأشياء، وتعلقت قلوبهم بها، حتى افتتنوا بها، وعصوا الله من أجلها، فضيعوا حقوقه، وركبوا مساخطه.
وأهل اليقين: احتدت أبصار قلوبهم بنور اليقين، فنفذت إلى تدبير ولي الأسباب، فصارت لهم معاينة، ووصلت إلى ولي الأسباب، فاستوطنت على القربة هناك عاكفة على ربها، وولت الأسباب ظهراً، فهو يمضي في الأسباب كسائر الخلق، والأسباب لا تأخذه، ولا تغير قلبه؛ لأنه قلبه

الصفحة 324