كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 1)
هناك بين يدي الخالق، مبهوتٌ في جلاله وعظمته، والأسباب من وراء ظهره، فهو يمضي فيها، ولا يلتفت إليها، فلا تجد الأسباب سبيلاً إلى أن تفتنه، وإنما يأخذ الأسباب كل أحمق قد أسرته نفسه، فقلبه في غطاء عن الله، فلا يرى الأشياء تبدو له إلا من الأسباب، والنفس في خدعها وغرورها من ورائه، فلا يزال هكذا حتى يصير قلبه سبياً من سبي النفس، وأسيراً من أسراها، لا يعمل إلا ما تهوى به نفسه.
فإذا خلف شيئاً في مكان، وأراد أن يغيب عنه؛ استودع الله عز وجل ذلك الشيء، فهذا منه في ذلك الوقت تخلٍّ وتبرؤ من حفظه ومراقبته؛ لأنه ما دام معه، فهو في نفسه يحسب أنه هو الذي يحفظه ويكلؤه ويرعاه، وهو يقول مع هذا: {فالله خيرٌ حافظاً}. ولكن هذا القول منه قول الموحدين، لا قول الموقنين المنتبهين لما يقول، فما دام معه، فهو يحفظه.
ثم إذا خلفه في حرزٍ، أو في حراسة، أو أخفاه في موضع، فقد وكله إلى ذلك الحرز والحراسة، وإذا جعله هكذا، ثم مع هذا أودعه ربه سبحانه وتعالى، فقد وكله إلى الله، وتبرأ من حفظه، وحفظ حرزه وحارسه، وتخلى منه مضى في تدبير الآدميين أن يحرزوا أو يحرسوا، ثم وكله إلى الله، فوجده ملياً وفياً كريماً.