كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 1)
أخبر أبو بكر رضي الله عنه: أن الشيطان دلهم على ذلك، وأنها ضلالة، وأنهم صيروا ذلك الحلق علامة لأنفسهم، وإظهاراً لما هم عليه، كأنه يدل على أن ذلك الصنف منهم بمنزلة من تزهد في هذا العصر، وهو غير صادق في ذلك، يريد تأكل الدنيا، فأول ما قصد في زهده لبس الصوف والخلقان، وحف الشارب، وتشمير الثياب، والعمة المطوقة تحت الحنك، والاستقصاء في الكحل إلى اللحاظ، فهذه كلها علائم هذه الطبقة الكاذبة المتزهدة المتأكلة حطام الدنيا بما أظهروا من زيهم وشكلهم وتماوتهم، وخشوع نفاقهم.
فكذلك أولئك كانوا غير صادقين في عزلتهم في الصوامع، فلم يصبروا عليها، فخرجوا، وقد حلقوا أوساط رؤوسهم ترائياً وتشهيراً لأمرهم، فأمر أبو بكر رضي الله عنه بضرب أعناقهم؛ لأنهم -مع كفرهم- لغير الله عملوا في دينهم، وهم نصارى، والذين ترهبوا وحبسوا أنفسهم تركوا وما حبسوا له أنفسهم؛ لأنهم صادقون في سبيلهم، وإن كانوا في ضلالة، قال الله تعالى: {ورهبانيةً ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله}، ثم ذمهم فقال: {فما رعوها حق رعايتها}.
فإنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن الصبي أن يحلق وسط رأسه للتشبيه بهؤلاء الذين وصفناهم عندنا، والله سبحانه أعلم.
وأما قصة هؤلاء الرهبانية الذين ذم الله سبحانه شأنهم:
39 - فحدثنا عمر بن أبي عمر، قال: ثنا إبراهيم ابن أبي الليث ببغداد، قال: حدثنا الأشجعي، عن سفيان