كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 1)

قيل: فكيف من قالها في الصحة، فإنما يقولها في الصحة على تلك الصفة التي هي عند موته يقولها بعد رياضة لنفسه، وموت شهواته، وحرصه، ورغبته، وبعد زهادته فيها، وصفائه عن التخليط، فهي أهدم وأهدم.
فأما مخلط عند نهماته وشهواته، عبد دنياه، عبد درهمه وديناره، فلا نعلم أن قوله هذا هدم ذنوبه حتى يصير مغفوراً له بهذه الكلمة؛ لأنه لا ترجع هذه الكلمة منه إلى قلب موقن؛ كما اشترط الرسول في حديثه، بل ترجع هذه الكلمة منه إلى قلب مفتون بدنياه، مأسورٍ بشهوات نفسه، سكران عن الآخرة، حيران عن الله، فقالبه ميالٌ إلى الهوى.
والقلب الموقن الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو القلب الذي استقر لربه، واطمأن لحكمه، وقنع بقسمه، وانقاد بأمره، وشخصت عيناه إلى رحمته، قد أيس من كل شيء إلا من رحمة الله، فهو الذي إذا قالها، هدمت ذنوبه؛ لأنه صادقٌ في قوله.
وإنما سمي اليقين يقيناً؛ لاستقراره في القلب، وهو النور.
يقال في اللغة: يقن الماء في الحفيرة؛ أي: استقر، فإذا استقر النور، دام، وإذا دام، صارت النفس ذات بصيرة، فاطمأنت، فتخلص القلب من أشغاله ودوائره، فإنما استقر اليقين في القلب؛ لأن العبد جاهد نفسه في الله حق جهاده على الصدق، واليقظة من خدعها، والتحرز من آفاتها، حتى بلغ بها غاية الرياضة، وانقطع عاجزاً، فاستغاث بالله صارخاً مضطراً، فأجابه، فإنه يجيب دعوة المضطر، ويكشف السوء، ويجعله من خلفاء الأرض، كذلك وعد في تنزيله، فقذف النور في قلبه، ففلق به تلك الظلمات التي ركدت في صدره على قلبه، فانكشف الغطاء، وصار أمر الملكوت له معاينة بقلبه، وهو:

الصفحة 64