كتاب مسند الفاروق ت إمام (اسم الجزء: 1)

لا تَبكي بشَجْوكُم، إنها تُهرِيقُ دموعَها على أخذِ دراهِمِكُم، إنها تُؤذي أمواتَكُم في قبورِهِم، وأحياءَكُم في دُورِهِم، إنها تَنهى عن الصَّبر، وقد أَمَرَ اللهُ به، وتأمُرُ بالجزعِ، وقد نَهَى اللهُ عنه!
فأما البكاء المجرَّد، فقد قال البخاري في «صحيحه» (¬1): وقال عمرُ رضي الله عنه: دَعهنَّ يَبكين على أبي سليمانَ، ما لم يَكُن نَقْعٌ أو لَقْلَقَةٌ.
والنَّقْعُ: الترابُ على الرأسِ.
واللَقْلَقَة: الصوتُ.
قلت: وأبو سليمان هذا هو: خالد بن الوليد.
ورواه أبو عبيد (¬2)، عن جرير، عن منصور، عن أبي وائل، عن عمر.
(213) وقال البخاري (¬3): قال عمرُ: نِعمَ العِدْلانِ، ونِعمتِ العِلاوةُ:
¬_________
(¬1) (3/ 160 - فتح) في الجنائز، باب ما يُكره من النياحة على الميت، وقد تقدَّم الكلام على وَصْله (ص 155، تعليق رقم 6).
(¬2) تقدم تخريجه (ص 342 رقم 202).
(¬3) في «صحيحه» (3/ 171 - فتح) في الجنائز، باب الصبر عند الصدمة الأولى.
وأثر عمر هذا: يَرويه منصور بن المعتمر، واختُلف عليه:
فقيل: عنه، عن مجاهد، عن سعيد بن المسيّب، عن عمرَ!
وقيل: عنه، عن مجاهد، عن عمرَ!
أما الوجه الأول: فأخرجه عَبد بن حميد في «تفسيره»، كما في «تغليق التعليق» (2/ 470) من طريق إسرائيل. والحاكم (2/ 270)) من طريق جرير بن عبد الحميد. كلاهما (إسرائيل، وجرير) عن منصور، عن مجاهد، به.
وأما الوجه الثاني: فأخرجه سعيد بن منصور (2/ 634 رقم 233 - ط دار الصميعي) عن ابن عيينة، عن منصور، عن مجاهد، به.
وهذا الوجه أرجح؛ لأن ابن عيينة أوثق من جرير وإسرائيل، وكيفما كان، فالأثر منقطع؛ لأنَّ رواية مجاهد وابن المسيّب عن عمرَ منقطعة، وقد قال الحاكم عقب روايته: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ولا أعلم خلافًا بين أئمَّتنا أنَّ سعيدَ بن المسيّب أدرك أيام عمرَ -رضي الله عنه-، وإنما اختلفوا في سماعه منه.
وصحَّحه الحافظ في «تغليق التعليق» (2/ 470) من رواية ابن المسيّب عن عمرَ.
فائدة: قال المؤلِّف في «تفسيره» (1/ 197) في معنى الآية: قوله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ}: فهذان العِدلان. {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}: فهذه العِلاوة، وهي ما توضع بين العِدلَين، وهي زيادة في الحمل، فكذلك هؤلاء أعطوا ثوابهم، وزِيدوا أيضًا.

الصفحة 348