كتاب مصابيح الجامع (اسم الجزء: 1)

أَبي حَازِمٍ، قالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهْوَ يَقْضي بهَا وَيُعَلِّمُهَا".
(لا حسد إلا في اثنتين): قال الزركشي: قيل: أرادَ: الغِبْطَة (¬1)، وهي: تمني مثلِ ما له من غير زوال النعمة عنه، وهذا هو قضية تبويب البخاري.
وقيل: بل هو على حقيقته، وهو كلام تام (¬2) قُصد به نفيُ الحسد، أو النهيُ عنه، ثم قال: "إلا في اثنتين"، فأباح هذين، وأخرجَهما من جملة المنهيِّ (¬3) عنه (¬4)؛ كما رخص في نوع من الكذب، وإن كانت جملته محظورة، وهو استثناء من غير الجنس على الأول، ومنه على الثاني (¬5).
قلت: هكذا رأيت في نسختي منه، وهو مشكل؛ فإن الاستثناء متصل على الأول قطعًا؛ لأنه استثناء مفرغ (¬6) من خبر عام مقدر؛ أي: لا غبطة في شيء من الأشياء إلا في اثنتين، وأما على الثاني: فجعله متصلًا يلزم عليه إباحة الحسد في الاثنتين كما صرح به، والحسدُ الحقيقي -وهو تمني زوالِ نعمة المحسود عنه، وصيرورتها إلى الحاسد- لا يُباح أصلًا، وكيف يُباح تمني زوال نعم (¬7) الله عن المسلمين القائمين بحق الله فيها (¬8)؟
¬__________
(¬1) في "ن": "بالغبطة".
(¬2) في "ع": "عام".
(¬3) في "ج": "النهي".
(¬4) "عنه" ليست في "ن".
(¬5) انظر: "التنقيح" (1/ 58).
(¬6) في "ع": "متفرع".
(¬7) في "ج": "نعمة".
(¬8) في "ج": "فيهما".

الصفحة 197