كتاب المستخرج من كتب الناس للتذكرة والمستطرف من أحوال الرجال للمعرفة (اسم الجزء: المقدمة)

عَظِيمَةٍ في حَيَاةِ العَرَبِ قَبْلَ الإسلَامِ، ولمَّا جاءَ الإسلَامُ أَقَرَّهُ، ووَضَعَ لَهُ الأُسُسَ والقَوَاعِدَ، وذَكَر الحَافِظُ أَبو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ في مُقَدِّمَةِ كِتَابه (الأَنْسَابِ) مَكَانةَ النَّسَبِ في الإسلَامِ، وأَنَّهُ مِنَ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ التِّي يَجِبُ أَنْ لَا يَجْهَلَها عَالمٌ، فقالَ: (ومَعْرِفَةُ الأَنْسَابِ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَم التِّي أَكْرَمَ الله تَعَالىَ بِهَا عبَادَهُ، لأَنَّ تَشَعُّبَ الأَنْسَابِ على افْتِرَاقِ القَبَائِلِ والطَّوَائِفِ أَحَدُ الأَسْبَابِ المُمَهِّدةِ لحُصُولِ الائْتِلَافِ .... وكُنْتُ في رِحْلَتِي أَتَتَبَّعُ ذَلِكَ، وأَسْأَلُ الحُفَّاظَ عَنِ الأَنْسَابِ، وكَيْفِيَتِها، وإلى أَيِّ شَيءٍ نُسِبَ كُلُّ أَحَدٍ، وأُثْبِتُ مَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ ...) (¬1)، وقالَ الإمَامُ العَلَّامةُ أبو مُحمَّدَ ابنُ حَزْمٍ: (إنَّ عِلْمَ النَّسَبِ جَلِيلٌ رَفِيعٌ، إذْ بهِ يَكُونُ التَّعَارُفُ، وقدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالىَ جُزْءا مِنْهُ تَعَلُّمُه لا يَسَعُ أَحَدًا جَهْلُهُ، وجَعَلَ تَعَالىَ جُزْءًا يَسِيرًا منهُ فَضْلًا عَنْ تَعَلُّمِه، يَكُونُ جَهْلُهُ نَاقِصًا لِدَرَجةٍ مِنَ الفَضْلِ، وكُلُّ عِلْمٍ هَذه صِفَتُه فَهُو عِلْمٌ فَاضِلٌ، لا يَنْكُرُ حَقُّهُ إلَّا جَاهِلٌ ... إلَخ) (¬2).
وكَانَ اَلمُحَدِّثُونَ مِنْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى الأَنْسَابِ، لِمَا في النَّسَبِ مِنْ أَهَميِّةٍ في تمْيِيزِ الرُّوَاةِ ومَعْرِفَتِهم، ولِذَلِكَ جَعَلُوهُ نَوْعًا مِن أَنْوَاعِ عُلُومِ الحَديثِ الذي لا يَنْبَغِي للمُحَدِّثِ جَهْلُهُ، قالَ الحَاكمُ النَّيْسَابُورِيُّ (ذِكْرُ النَّوْعِ التَّاَسِعِ والثَّلَاثِينَ مِنْ مَعْرِفَةِ عُلُومِ الحَدِيثِ: هَذا النَّوعُ مِنَ هَذِه العُلُومِ مَعْرِفةُ أَنْسَابِ المُحَدِّثينَ مِنَ الصَّحَابةِ وإلى عَصْرِنا هَذا، فَقَدْ أَمَرَنا سَيِّدُنُا المُصْطَفَى - صلى الله عليه وسلم - بِذَلِكَ ...) (¬3).
ومِنَ الأَمْثِلةِ عَلَى اهْتِمَامِ ابنِ مَنْدَه بالأَنْسَابِ قَوْلهُ: (عَبْدُ الله بنُ الرَّبِيعِ بنِ قَيْسٍ، مِنْ بَنِي الأَبْجَرِ بنِ عَمْرو بنِ الحَارِثِ بنِ خَزْرَجٍ، وَهُم بَنُو خُدْرَةَ بنِ عَوْفٍ) (¬4).
¬__________
(¬1) الأنساب لأبي سعد السمعاني 1/ 16.
(¬2) جمهرة أنساب العرب لابن حزم ص 2.
(¬3) معرفة علوم الحديث ص 489.
(¬4) المستخرج، الورقة (26 ب).

الصفحة 126

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text