كتاب جامع الصحيحين لابن الحداد (اسم الجزء: 1)

والدليل على أن الذي قلنا من هذا هو اللازم دون ما خالفه: قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين}، وقال جل ثناؤه: {ممن ترضون من الشهداء} وقال: {وأشهدوا ذوى عدل منكم}؛ فدل بما ذكره من هذه الآي أن خبر الفاسق ساقط غير مقبول، وأن شهادة غير العدل مردودة، والخبر، وإن فارق معناه معنى الشهادة في بعض الوجوه، فقد يجتمعان في أعظم معانيهما؛ إذ كان خبر الفاسق غير مقبول عند أهل العلم، كما أن شهادته مردودة عند جميعهم، ودلت السنة على نفي رواية المنكر من الأخبار كنحو دلالة القرآن على نفي خبر الفاسق، وهو الأثر المشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من حدث عني بحديث، يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين)).
وأشباه ما ذكرناه من كلام أهل العلم في متهمي رواة الحديث، وإخبارهم عن معايبهم كثير يطول الكتاب بذكره على استقصائه، وفيما ذكرنا كفاية لمن تفهم وعقل مذهب القوم فيما قالوا من ذلك وبينوا، وإنما ألزموا أنفسهم الكشف عن معايب رواة الحديث وناقلي الأخبار، وأفتوا بذلك حين سئلوا لما فيه من عظم الخطر؛ إذ الأخبار في أمر الدين إنما تأتي بتحليل أو تحريم، أو أمر أو نهي، أو ترغيب أو ترهيب، فإذا كان الراوي لها ليس بمعدن للصدق والأمانة، ثم أقدم على الرواية عنه من قد عرفه، ولم يبين ما فيه لغيره ممن جهل معرفته كان آثما بفعله ذلك لعوام المسلمين؛ إذ لا يؤمن على بعض من سمع تلك الأخبار أن

الصفحة 194