كتاب المستصفى للغزالي - الرسالة (اسم الجزء: 1)

فأشكل الجواب على القاضي أبي بكر رحمه الله فقال يسقط الوجوب عندها لا بها بدليل الإجماع ولا يقع واجبا لأن الواجب ما يثاب عليه وكيف يثاب على ما يعاقب عليه وفعله واحد وهو كون في الدار المغصوبة وسجوده وركوعه أكوان اختيارية هو معاقب عليها ومنهي عنها وكل من غلب عليه الكلام قطع بهذا نظرا إلى اتحاد أكوانه في كل حالة من أحواله وإن الحادث منه الأكوان لا غيرها وهو معاقب عليها عاص بها فكيف يكون متقربا بما هو معاقب عليه ومطيعا بما هو به عاص؟!
وهذا غير مرضي عندنا بل نقول الفعل وإن كان واحدا في نفسه فإذا كان له وجهان متغايران يجوز أن يكون مطلوبا من أحد الوجهين مكروها من الوجه الآخر وإنما المحال أن يطلب من الوجه الذي يكره بعينه وفعله من حيث أنه صلاة مطلوب ومن حيث أنه غصب مكروه والغصب معقول دون الصلاة والصلاة معقولة دون الغصب
وقد اجتمع الوجهان في فعل واحد ومتعلق الأمر والنهي الوجهان المتغايران وكذلك يعقل من السيد أن يقول لعبده صل اليوم ألف ركعة وخط هذا الثواب ولا تدخل هذه الدار فإن ارتكبت النهي ضربتك وإن امتثلت الأمر أعتقتك فخاط الثوب في الدار وصلى ألف ركعة في تلك الدار فيحسن من السيد أن يضربه ويعتقه ويقول أطاع بالخياطة والصلاة وعصى بدخول الدار فكذلك فيما نحن فيه من غير فرق
فالفعل وإن كان واحدا فقد تضمن تحصيل أمرين مختلفين يطلب أحدهما ويكره الآخر ولو رمى سهما واحدا إلى مسلم بحيث يمرق إلى كافر أو إلى كافر بحيث يمرق إلى مسلم فإنه يثاب ويعاقب ويملك سلب الكافر ويقتل بالمسلم قصاصا لتضمن فعله الواحد أمرين مختلفين
فإن قيل :ارتكاب المنهى عنه إذا أخل بشرط العبادة أفسدها بالاتفاق ونية التقرب بالصلاة شرط والتقرب بالمعصية محال فكيف ينوي التقرب؟

الصفحة 148