كتاب المستصفى للغزالي - الرسالة (اسم الجزء: 1)

وكذلك تكليف السكران الذي لا يعقل محال كتكليف الساهي والمجنون والذي يسمع ولا يفهم بل السكران أسوأ حالا من النائم الذي يمكن تنبيهه ومن المجنون الذي يفهم كثيرا من الكلام وأما نفوذ طلاقه ولزوم الغرم فذلك من قبيل ربط الأحكام بالأسباب وذلك مما لا ينكر
فإن قيل: فقد قال الله تعالى في النساء { لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى } ]النساء :43 [وهذا خطاب للسكران
قلنا: إذا ثبت بالبرهان استحالة خطابه وجب تأويل الآية ولها تأويلان:
أحدهما: أنه خطاب مع المنتشي الذي ظهر فيه مبادىء النشاط والطرب ولم يزل عقله فإنه قد يستحسن من اللعب والانبساط ما لا يستحسنه قبل ذلك ولكنه عاقل وقوله تعالى { حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ }[ النساء :43] معناه حتى تتبينوا ويتكامل فيكم ثباتكم كما يقال للغضبان إصبر حتى تعلم ما تقول أي حتى يسكن غضبك فيكمل علمك وإن كان أصل عقله باقيا وهذا لأنه لا يشتغل بالصلاة مثل هذا السكران وقد يعسر عليه تصحيح مخارج الحروف وتمام الخشوع
الثاني: أنه ورد الخطاب به في ابتداء الإسلام قبل تحريم الخمر وليس المراد المنع من الصلاة بل المنع من إفراط الشرب في وقت الصلاة كما يقال لا تقرب التهجد وأنت شبعان ومعناه لا تشبع فيثقل عليك التهجد
مسألة تكليف المعدوم
مسألة أمر الله تعالى في الأزل فإن قال قائل ليس من شرط الأمر عندكم كون المأمور موجودا إذ قضيتم بأن الله تعالى آمر في الأزل لعباده قبل خلقهم فكيف شرطتم كون المكلف سميعا عاقلا والسكران والناسي والصبي والمجنون أقرب إلى التكليف من المعدوم؟
قلنا :ينبغي أن يفهم معنى قولنا إن الله تعالى آمر وإن المعدوم مأمور،

الصفحة 160