كتاب المستصفى للغزالي - الرسالة (اسم الجزء: 1)

التحذير إذ لو كان كذبا لكان كقولهم عذبنا لأنا مخلوقون وموجودون كيف وقد عطف عليه قوله {وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ } [المدثر:46] فكيف يعطف ذلك على ما لا عذاب عليه؟
فإن قيل: العقاب بالتكذيب لكن غلظ بإضافة ترك الطاعات إليه
قلنا لا يجوز أن يغلظ بترك الطاعات كما لا يجوز أن يغلظ بترك المباحات التي لم يخاطبوا بها
فإن قيل: عوقبوا إلا بترك الصلاة لكن لإخراجهم أنفسهم بترك الإيمان عن العلم بقبح ترك الصلاة قلنا هذا باطل من أوجه أحدها أنه ترك للظاهر من غير ضرورة ولا دليل فإن ترك العلم بقبح ترك الصلاة غير ترك الصلاة وقد قالوا { لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ } [ المدثر43]
الثاني : أن ذلك يوجب التسوية بين كافر باشر القتل وسائر المحظورات وبين من اقتصر على الكفر لأن كليهما استويا في إخراج النفس بالكفر عن العلم بقبح المحظورات والتسوية بينهما خلاف الإجماع
الثالث : أن من ترك النظر والاستدلال ينبغي أن لا يعاقب على ترك الإيمان لأنه أخرج نفسه بترك النظر عن أهلية العلم بوجوب المعرفة والإيمان
فإن قيل :{ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ } أي من المؤمنين لكن عرفوا أنفسهم بعلامة المؤمنين كما قال صلى الله عليه وسلم " نهيت عن قتل المصلين "أي المؤمنين لكن عرفهم بما هو شعارهم
قلنا: هذا محتمل لكن الظاهر لا يترك إلا بدليل ولا دليل للخصم
الدليل الثاني: قوله تعالى :{وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ

الصفحة 172