كتاب المستصفى للغزالي - الرسالة (اسم الجزء: 1)

ونحن نقول: لو لم يكن من القرآن لوجب على رسول الله صلى الله عليه وسلم التصريح بأنه ليس من القرآن وإشاعته ولنفاه بنص متواتر بعد أن أمر بكتبه بخط القرآن ،إذ لا عذر في السكوت عن قطع هذا التوهم فأما عدم التصريح بأنه من القرآن فإنه كان اعتمادا على قرائن الأحوال، إذ كان يملي على الكاتب مع القرآن، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم وعليه السلام في أثناء إملائه لا يكرر مع كل كلمة وآية أنها من القرآن، بل كان جلوسه له وقرائن أحواله تدل عليه وكان يعرف كل ذلك قطعا ثم لما كانت البسملة أمر بها في أول كل أمر ذي بال ووجد ذلك في أوائل السور ظن قوم أنه كتب على سبيل التبرك وهذا الظن خطأ ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما"سرق الشيطان من الناس آية من القرآن لما ترك بعضهم قراءة البسملة في أول السورة" فقطع بأنها آية ولم ينكر عليه كما ينكر على من ألحق التعوذ والتشهد بالقرآن. فدل على أن ذلك كان مقطوعا به، وحدث الوهم بعده.
فإن قيل :بعد حدوث الوهم والظن صارت البسملة اجتهادية، وخرجت عن مظنة القطع فكيف يثبت القرآن بالاجتهاد ؟
قلنا: جوز القاضي رحمه الله الخلاف في عدد الآيات ومقاديرها، وأقر بأن ذلك منوط باجتهاد القراء، وأنه لم يبين بيانا شافيا قاطعا للشك والبسملة من القرآن في سورة النمل هي مقطوع بكونها من القرآن وإنما الخلاف في أنها من القرآن مرة واحدة أو مرات كما كتبت فهذا يجوز أن يقع الشك فيه ويعلم بالاجتهاد لأنه نظر في تعيين موضع الآية بعد كونها مكتوبة بخط القرآن فهذا جائز وقوعه والدليل على إمكان الوقوع وأن الاجتهاد قد تطرق إليه: أن

الصفحة 197